السبت، 24 أكتوبر 2026
12:22 م
رمسيس الثاني
أكثر من 3 آلاف عام مرت على تشييد معبد أبو سمبل، ولا تزال آشعة الشمس تكشف عن سر هندسي أبدع المصري القديم في تصميمه داخل الجبل، ليصبح واحدًا من أبرز الشواهد على تطور علوم الفلك والعمارة في مصر القديمة.
وبين عبقرية تمثال رمسيس الثاني ورحلة إنقاذ المعبد من الغرق بعد بناء السد العالي، تحمل ظاهرة التعامد قصة استثنائية تجمع بين أسرار الحضارة المصرية وجهود العالم للحفاظ على تراثها الإنساني.
وفي مشهد يتكرر مرتين سنويًا، اتجهت أنظار السياح وعشاق الحضارة المصرية القديمة إلى مدينة أبو سمبل السياحية جنوب أسوان، لمتابعة ظاهرة تعامد آشعة الشمس على قدس الأقداس بمعبد الملك رمسيس الثاني، في حدث يجمع بين التاريخ والفلك والهندسة، ويعيد إلى الأذهان أسرار حضارة استطاعت أن تترك بصمتها على مر العصور.
وتحظى الظاهرة باهتمام واسع من وسائل الإعلام العالمية والمؤسسات الأثرية الدولية، إذ يتوافد الزوار قبل شروق الشمس لمشاهدة الآشعة وهي تتسلل من مدخل المعبد، وتقطع مسافة طويلة داخل أروقته، قبل أن تصل إلى التماثيل الموجودة في نهايته، في مشهد يستمر نحو 20 دقيقة تقريبًا.
وفي مشهد مهيب شهدته مدينة أبو سمبل السياحية جنوب أسوان صباح اليوم، تعامدت آشعة الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني بمعبده الكبير، وسط حضور نحو 7000 سائح وزائر من مختلف الجنسيات، في ظاهرة فلكية فريدة تتكرر مرتين سنويًا وتجسد براعة المصري القديم في علوم الفلك والهندسة.
تعود قصة معبد أبو سمبل الكبير إلى عهد الملك رمسيس الثاني، أحد أبرز ملوك الأسرة التاسعة عشرة في مصر القديمة، الذي حكم خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، واشتهر بمشروعاته المعمارية الضخمة التي جسدت قوة الدولة المصرية ومكانة الملك الدينية والسياسية.
ونُحت المعبد مباشرة داخل الجبل في منطقة النوبة القديمة، بالقرب من الحدود الجنوبية لمصر، فيما تزين واجهته أربعة تماثيل عملاقة للملك رمسيس الثاني، يصل ارتفاع كل منها إلى نحو 21 مترًا، وفقًا لبيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
وفي كتابه «موسوعة مصر القديمة»، وتحديدًا الجزء السادس المخصص لعصر رمسيس الثاني وقيام الإمبراطورية المصرية، تناول عالم الآثار المصري سليم حسن معبد أبو سمبل باعتباره واحدًا من أضخم المشروعات المعمارية في عصره، موضحًا ارتباط بنائه بمكانة الملك ورغبته في تخليد إنجازاته.
وبشكل محتمل، تحدث الظاهرة في شهري أكتوبر وفبراير من كل عام وفقًا للمواعيد المعتمدة حاليًا للاحتفال، عندما تدخل أشعة الشمس من مدخل المعبد وتتحرك عبر الممرات والقاعات الداخلية حتى تصل إلى قدس الأقداس.
وتقطع الآشعة مسافة تقارب 60 مترًا داخل المعبد، لتضيء ثلاثة من التماثيل الأربعة الموجودة في نهايته، وهي تماثيل رمسيس الثاني والإله آمون رع والإله رع حور آختي، بينما يبقى تمثال الإله بتاح في الظل.
وتوضح بيانات المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية المصري أن الظاهرة ترتبط باتجاه محور المعبد وحركة الشمس الظاهرية، فيما تشير الدراسات المتخصصة إلى أن تحديد موعد الإضاءة بدقة يتأثر بعوامل فلكية وجغرافية، فضلًا عن التغييرات التي طرأت على موقع المعبد بعد نقله.

وفي دراسة أكاديمية نشرها الباحث كايل أندرو وايبرن عام 2021 في دورية «ENiM» المتخصصة في علم المصريات، تناول الباحث تواريخ إضاءة المعبد وعلاقتها بالتقويم المصري القديم واحتفالات شهر كيهك، مقدمًا تفسيرًا بحثيًا مختلفًا عن الرواية الشائعة التي تربط التعامد بعيد ميلاد رمسيس الثاني ويوم تتويجه.
حظي معبد أبو سمبل باهتمام الرحالة والباحثين منذ القرن التاسع عشر، ومن أبرز المراجع التي وثقت آثار النوبة كتاب «A Thousand Miles Up the Nile» للكاتبة والرحالة البريطانية أميليا إدواردز، الذي نُشر للمرة الأولى عام 1877.
وتضمن الكتاب وصفًا لرحلتها في مصر والنوبة خلال شتاء عامي 1873 و1874، ومشاهداتها لمعابد المنطقة وتماثيل رمسيس الثاني، مقدمًا شهادة تاريخية عن الموقع قبل عملية الإنقاذ الكبرى التي شهدها في القرن العشرين.
وفي العصر الحديث، اتجهت الدراسات إلى تحليل العلاقة بين اتجاه المعبد وحركة الشمس، إلى جانب مراجعة السجلات التاريخية لتحديد مواعيد الإضاءة قبل نقل المعبد وبعده.
وتكتسب هذه الدراسات أهميتها من أنها تساعد على فهم الظاهرة في إطار علمي، بعيدًا عن تحويل التفسيرات المتداولة إلى حقائق نهائية دون أدلة أثرية كافية.

لم تكن رحلة معبد أبو سمبل عبر التاريخ خالية من المخاطر، إذ واجه تهديدًا وجوديًا خلال القرن العشرين، مع مشروع بناء السد العالي في أسوان وارتفاع منسوب المياه خلفه، وهو ما هدد عددًا من آثار النوبة بالغرق تحت مياه بحيرة ناصر.
وفي عام 1960، أطلقت اليونسكو حملة دولية لإنقاذ آثار النوبة، بعد طلب مصر والسودان المساعدة في حماية المواقع الأثرية المهددة، وشاركت في الحملة دول وخبراء ومهندسون وعلماء آثار بهدف إنقاذ المعابد وتوثيق المواقع التاريخية.
وبدأت أعمال تفكيك معبدي أبو سمبل في نوفمبر 1963، حيث قُطعت الكتل الصخرية بعناية، ثم نُقلت وأعيد تجميعها في موقع جديد أعلى من الموقع الأصلي بنحو 64 مترًا، وعلى مسافة تقارب 180 مترًا إلى الداخل.
واكتملت عملية إعادة تركيب المعبدين وافتُتح الموقع الجديد عام 1968، في مشروع أصبح أحد أبرز نماذج التعاون الدولي في مجال حماية التراث الإنساني.

مع مرور الوقت، تحولت ظاهرة تعامد الشمس إلى مناسبة سياحية وثقافية بارزة في أسوان، إذ يتجمع الزوار قبل شروق الشمس لمتابعة اللحظة التي تدخل فيها الأشعة إلى أعماق المعبد، بالتزامن مع فعاليات ثقافية وفنية تعكس جانبًا من التراث النوبي والمصري.
وتحظى الظاهرة باهتمام دولي، نظرًا لما تمثله من نموذج للتكامل بين العمارة والفلك، فضلًا عن ارتباطها بتاريخ رمسيس الثاني ورحلة إنقاذ آثار النوبة.
وتظل القيمة الأهم لتعامد الشمس في أبو سمبل مرتبطة بقدرتها على تقديم صورة حية عن معارف المصري القديم، وفي الوقت نفسه تذكير العالم بأهمية حماية الآثار باعتبارها تراثًا إنسانيًا مشتركًا تتجاوز قيمته الحدود الجغرافية والزمنية.
اقرأ أيضًا
دراسة: نوع من النوم يرتبط بانخفاض كبير في خطر الإصابة بالخرف
24 أكتوبر 2026 10:27 ص
22 أكتوبر 2026 07:04 م
22 أكتوبر 2026 01:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً