الإثنين، 26 أكتوبر 2026

11:28 ص

الإثنين، 26 أكتوبر 2026

11:28 ص

سقراط ولولا دا سيلفا.. حين التقت كرة القدم بالثورة

في البرازيل، لم تكن كرة القدم يومًا مجرد لعبة، كما لم تكن السياسة حكرًا على قصور الحكم ومكاتب المسؤولين. تحت الحكم العسكري، امتزجت أحلام الجماهير في الملاعب بأحلام المواطنين في الشوارع، وصارت الكرة إحدى المساحات التي عبّر فيها البرازيليون عن توقهم إلى الحرية والديمقراطية.

في مطلع الثمانينيات، التقت مسيرتان مختلفتان عند هذه النقطة: لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، العامل النقابي القادم من مصانع الصلب، وسقراط، الطبيب الذي أصبح أحد أعظم نجوم كرة القدم البرازيلية. كان الأول يسعى إلى تحويل قوة العمال إلى نفوذ سياسي، بينما استخدم الثاني شهرته الرياضية لفتح مساحة للنقاش والاعتراض ومقاومة الاستبداد.

لم يكن لولا لاعبًا، ولم يكن سقراط سياسيًا محترفًا؛ لكن كليهما أدرك أن التغيير لا يبدأ بالضرورة من حيث توجد السلطة، بل قد يبدأ من حيث يمتلك الناس القدرة على التنظيم والتأثير. ومن المصنع إلى الملعب، ومن الحركة النقابية إلى المدرجات، تروي حكايتهما كيف يمكن لمجالين مختلفين أن يلتقيا في معركة واحدة: معركة الإنسان من أجل حقه في المشاركة في تقرير مصيره.

وُلد لولا دا سيلفا في 27 أكتوبر 1945، ونشأ في ظروف اجتماعية صعبة، قبل أن يعمل في القطاع الصناعي وينخرط في الحركة النقابية. وفي سبعينيات القرن العشرين، أصبح أحد أبرز قادة العمال في البرازيل، في وقت كانت فيه البلاد ترزح تحت الحكم العسكري.
من قلب المصانع، حيث امتلك العمال قوة العمل من دون أن يمتلكوا بالضرورة القرار، بدأ لولا بناء نفوذ جماعي يستطيع مواجهة اختلال ميزان القوة. لم يكتفِ بالمطالبة بتحسين ظروف العمال، بل سعى إلى نقل مطالبهم من مواقع الإنتاج إلى ميدان السياسة، حيث تُصاغ القوانين وتُتخذ القرارات.

وفي 10 فبراير 1980، شارك في تأسيس حزب العمال البرازيلي، إلى جانب نقابيين ومثقفين وناشطين اجتماعيين. كانت الخطوة انتقالًا من التنظيم النقابي إلى بناء قوة سياسية تستطيع خوض الانتخابات والمنافسة على الحكم.
فاز لولا بانتخابات الرئاسة عام 2002، وتولى منصبه في الأول من يناير 2003، ثم فاز بولاية ثانية عام 2006، وغادر الرئاسة في الأول من يناير 2011. وبعد سنوات، عاد إلى المنافسة السياسية وفاز بانتخابات 2022، ليتولى الرئاسة للمرة الثالثة في الأول من يناير 2023.

وفي 25 أكتوبر 2026، انتصر لولا دا سيلفا على منافسه فلافيو بولسونارو، وفاز بولاية رئاسية رابعة، ليصبح أول رئيس في تاريخ البرازيل يُنتخب لأربع ولايات رئاسية غير متتالية.

هكذا، انتقل الرجل من موقع العامل الذي يطالب السلطة بحقوقه إلى موقع الرئيس الذي يتولى مسؤولية الحكم. وتكمن دلالة رحلته في أن من بدأ حياته السياسية في مواجهة مراكز القرار، انتهى به الطريق إلى قلبها.
لكن وصول لولا إلى الرئاسة لا يختصر وحده حكاية التحول الاجتماعي؛ فالتنظيم النقابي والحزب والانتخابات كانت حلقات متتابعة في مسار نقل مطالب فئات شعبية واسعة إلى المجال السياسي. وفي الوقت نفسه، كانت هناك جبهة أخرى تتشكل خارج المؤسسات الرسمية، يقودها رجل اختار أن يجعل من كرة القدم مساحة لممارسة الديمقراطية.
كان سقراط طبيبًا حاصلًا على شهادته الجامعية، ولاعبًا استثنائيًا وقائدًا للمنتخب البرازيلي، لكنه رفض أن تُختزل هويته في مهارته الكروية. بدأ مسيرته الاحترافية في كرة القدم وهو في الرابعة والعشرين من عمره تقريبًا، جامعًا بين التعليم والثقافة والموهبة الرياضية.
ارتبط اسمه بالمدرب تيلي سانتانا والجيل الذي قدّم كرة قدم هجومية اتسمت بالجمال والابتكار. وفي عام 1983، اختير أفضل لاعب في أمريكا الجنوبية، كما ضمه بيليه إلى قائمته الشهيرة لأفضل 125 لاعبًا على قيد الحياة عام 2004.
غير أن أهمية سقراط في الحياة العامة البرازيلية لم تنبع من إنجازاته الرياضية وحدها، بل من إدراكه أن الشهرة تمنحه قدرة على التأثير في مجتمع يخضع لحكم عسكري. فبينما كانت السياسة الرسمية تضيق أمام المعارضة، ظلت كرة القدم حاضرة في حياة ملايين البرازيليين، بما يجعل اللاعب المحبوب قادرًا على إيصال أفكار تتجاوز حدود الملعب.
هنا يظهر التباين بين أدوات القوة وأدوات التأثير: لا يملك سقراط سلطة إصدار القوانين أو إدارة الدولة، لكنه يمتلك جمهورًا واسعًا يصغي إليه؛ ولا يستطيع تغيير النظام بقرار، لكنه يستطيع تحدي ثقافة الخضوع من موقعه داخل اللعبة الأكثر شعبية في البلاد.
لم يكن يعتقد أن كرة القدم بديل عن العمل السياسي، بل رأى فيها وسيلة لفتح المجال العام، وتوسيع مساحة النقاش حول الحرية والعدالة والمشاركة. وقد عبّر عن هذا الوعي بقوله:
«بقيت في ميدان كرة القدم من أجل الوزن السياسي، من أجل مقارعة نظام القمع الحاكم. كانت كرة القدم بالنسبة لي فرصة للضغط على النظام من موقع مؤثر، فالشعب البرازيلي شغوف بكرة القدم، وسأكون أكثر تأثيرًا لو كنت لاعبًا جيدًا».
لم تكن الشهرة عند سقراط غاية في ذاتها، بل وسيلة لاكتساب صوت مسموع في مجتمع يحتاج إلى استعادة صوته. لقد فهم أن التأثير لا يتوقف على امتلاك السلطة الرسمية؛ فقد يمتلك الإنسان نفوذًا اجتماعيًا يمكّنه من مساءلتها، حتى حين يُحرم من المشاركة المباشرة في صنع القرار.
ولهذا لخّص موقفه من الحرية والهوية في عبارة أصبحت مفتاحًا لفهم شخصيته:
«أكافح من أجل الحرية واحترام الإنسان، من أجل المساواة، ومن أجل إجراء مناقشات واسعة وطليقة بلا قيد. أكافح من أجل الديمقراطية. أنا لست لاعبًا، أنا إنسان».
كان سقراط يرفض أن يتحول نجاحه الرياضي إلى قيد يحصره في وظيفة إمتاع الجمهور. فهو لاعب، لكنه مواطن أيضًا؛ وصاحب شهرة، لكنه لا يتخلى عن حقه في الاعتراض. ومن هنا أصبحت مواقفه السياسية امتدادًا لرؤيته للإنسان، لا نشاطًا منفصلًا عن حياته الرياضية.
تجسدت أفكاره عمليًا في تجربة «الديمقراطية الكورينثية» داخل نادي كورينثيانز، خلال السنوات الأولى من الثمانينيات. شارك سقراط في ترسيخ أسلوب إدارة يقوم على التصويت والمشاركة الجماعية في القرارات المتعلقة بشؤون الفريق.
كانت أهمية التجربة تتجاوز إدارة نادٍ رياضي. ففي بلد يحكمه نظام عسكري، كان اللاعبون يمارسون داخل مؤسستهم قدرًا من المشاركة في اتخاذ القرار، في تناقض مع ثقافة سياسية تقوم على انفراد السلطة بالحكم.
لم تكن غرفة الملابس بديلًا عن البرلمان، ولم يكن التصويت داخل النادي كافيًا لإنهاء الحكم العسكري؛ لكن التجربة قدّمت نموذجًا ملموسًا لفكرة الديمقراطية: أن الذين يتأثرون بالقرار ينبغي أن يكون لهم صوت في صنعه.
وهنا يلتقي سقراط بلولا من جديد. فقد سعى لولا إلى تحويل العمال من أفراد متفرقين إلى قوة منظمة تستطيع التفاوض والمنافسة السياسية، بينما شارك سقراط في بناء تجربة تمنح اللاعبين دورًا مباشرًا في إدارة شؤونهم. اختلف المجال، لكن السؤال كان واحدًا: من يملك حق اتخاذ القرار، ومن يحق له المشاركة فيه؟
في المصنع، كان لولا يدافع عن العامل الذي ينتج الثروة من دون أن يمتلك بالضرورة سلطة تقرير شروط عمله. وفي الملعب، كان سقراط يدافع عن اللاعب الذي يصنع الفرجة من دون أن يكون مجرد منفذ لأوامر الإدارة. وفي الحالتين، كان جوهر المسألة هو الانتقال من الطاعة إلى المشاركة، ومن التلقي السلبي للقرارات إلى امتلاك القدرة على التأثير فيها.
في عام 1984، انتقل سقراط إلى إيطاليا للاحتراف في نادي فيورنتينا، لكنه حمل معه اهتمامًا بالفكر والتاريخ يتجاوز حدود كرة القدم.
أعلن رغبته في قراءة أعمال المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي بلغتها الأصلية، إلى جانب كتابات الصحفي جورجيو بوكا، ودراسة تاريخ الحركة العمالية الإيطالية. وقال:
«لا أعرفهم –مشاهير اللاعبين الطليان– أنا هنا في إيطاليا لقراءة ما كتبه أنطونيو غرامشي بلغته الأصلية، وكذلك جورجيو بوكا، ولكي أدرس تاريخ الحركة العمالية في إيطاليا».
كان لاعبًا محترفًا في بلد أوروبي، لكنه لم يجعل الاحتراف مرادفًا للانشغال بالمال والشهرة. لقد أراد أن يفهم المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يقرأ تاريخ العمال وأفكار المفكرين الذين تناولوا علاقة الثقافة بالسلطة.
وفي موقف آخر، رفض عرضًا من شركة جيليت للترويج لمنتجات الحلاقة عبر حلق لحيته، متمسكًا باستقلال شخصيته، وقال:
«لا أبيع جزءًا من شخصيتي بأموال العالم كلها».
يتصل هذا الموقف بجوهر تجربته السياسية؛ فكما رفض أن يكون مجرد لاعب تحكمه الصورة التجارية، رفض أن يكون مجرد نجم يُستدعى لإمتاع الجمهور ثم يصمت عن قضايا المجتمع. كانت استقلاليته الشخصية جزءًا من استقلاله الفكري، وامتدادًا لإيمانه بأن الإنسان لا ينبغي أن يتنازل عن قناعاته مقابل المال أو الشهرة.
وإلى جانب الطب وكرة القدم، اهتم سقراط بالموسيقى والإنتاج الفني والمسرح، مؤكدًا أن هويته أوسع من المهنة التي اشتهر بها. وبذلك لم يكن حضوره السياسي منفصلًا عن حياته، بل تعبيرًا عن تصوره للإنسان الذي يظل حرًا في التفكير والاختيار، حتى داخل أكثر المهن خضوعًا لضغوط الشهرة والمصالح التجارية.

وفي كأس العالم بإسبانيا عام 1982، ظهر سقراط ضمن منتخب البرازيل بقيادة تيلي سانتانا، إلى جانب زيكو وفالكاو ونجوم آخرين. قدم المنتخب كرة هجومية جذابة، جعلت التمرير والمهارة واللعب الجماعي عناصر أساسية في هويته.
كان الفريق مثالًا على قدرة كرة القدم على تجاوز حسابات النتيجة، وتحويل المباراة إلى تجربة جمالية يتذكرها الجمهور حتى بعد انتهاء البطولة. لكن الحلم البرازيلي انتهى أمام إيطاليا، التي فازت 3-2 في مباراة شهيرة وواصلت طريقها إلى إحراز اللقب.

خسرت البرازيل البطولة، لكن منتخب 1982 ظل حاضرًا في ذاكرة عشاق اللعبة. وتكشف هذه النتيجة أن الفوز الرسمي لا يحتكر المعنى، وأن الخسارة في سجل النتائج لا تعني بالضرورة الهزيمة في الذاكرة.

لم يتوج المنتخب بكأس العالم، لكنه ترك أثرًا تجاوز ترتيبه النهائي. وبالمثل، لم يمتلك سقراط سلطة سياسية رسمية، لكنه استخدم نفوذه الجماهيري لطرح أسئلة عن الديمقراطية والحرية لا تختفي بانتهاء المباريات.
ففي كرة القدم، قد يرفع الكأس فريق لا يقدم أجمل أداء؛ وفي السياسة، قد يمتلك الحاكم أدوات القوة من دون أن يحتكر تشكيل وعي المجتمع. ليست النتيجة كل الحكاية، وليست السلطة كل النفوذ.

في الرابع من ديسمبر 2011، رحل سقراط عن عمر ناهز 57 عامًا، تاركًا إرثًا يتجاوز الأهداف والبطولات. كان طبيبًا ومثقفًا ولاعبًا وقائدًا دافع عن الديمقراطية، وحاول أن يجعل من شهرته مساحة لمواجهة الاستبداد وتوسيع المجال العام.
أما لولا دا سيلفا، فقد انتقل من الحركة النقابية إلى الرئاسة، وعاد إلى قمة السلطة بعد سنوات من مغادرتها. وبين مسيرته ومسيرة سقراط، تتضح صورة مختلفة للتغيير السياسي والاجتماعي في البرازيل.

لم يكن لولا يملك السلطة حين بدأ، لكنه سعى إلى بناء تنظيم يمنح العمال القدرة على الوصول إليها. ولم يكن سقراط يملك سلطة إصدار القرارات، لكنه استخدم موقعه داخل كرة القدم ليفتح مساحة للنقاش والاعتراض والمشاركة. الأول حاول تغيير السياسات من داخل مؤسسات الحكم، والثاني واجه ثقافة الاستبداد من خارجها، مستندًا إلى شعبية الرياضة وتأثيرها في الوعي العام.

وبين المصنع والملعب، لم تكن المسألة مجرد انتقال من مهنة إلى أخرى، بل صراعًا على حق الإنسان في أن يكون شريكًا لا تابعًا، وصاحب قرار لا مجرد منفذ له.
لقد أدرك لولا أن العمال يحتاجون إلى التنظيم كي يتحولوا إلى قوة سياسية، وأدرك سقراط أن الجماهير تحتاج إلى أكثر من الفرجة كي تصبح قوة اجتماعية مؤثرة. ومن هنا التقت تجربتاهما: لم يكن التغيير فعل بطل منفرد، بل نتيجة مشاركة الناس وقدرتهم على تحويل مطالبهم إلى واقع.

خرج لولا من المصنع ليصل إلى قصر الرئاسة، ووقف سقراط داخل الملعب ليقول إن الحرية لا تنتظر إذنًا من القصر. الأول سعى إلى امتلاك السلطة، والثاني إلى توسيع المساحة التي يستطيع المجتمع أن يواجهها منها. وبينهما بقي الدرس الأهم: أن التغيير قد يبدأ من موقعين متباعدين، لكنه يحتاج في الحالتين إلى إنسان يرفض أن يظل مجرد متلقٍ للقرارات، ويصر على أن يكون شريكًا في صنع مصيره.
من المصنع إلى القصر، ومن الملعب إلى ساحة النضال، أثبتت تجربة لولا وسقراط أن السياسة لا تبدأ دائمًا داخل مؤسسات الحكم، وأن كرة القدم قد تصبح أكثر من لعبة حين يقرر لاعب أن صوته ليس ملكًا للملعب وحده.

c9b43b21-2e2b-4985-b9c0-a6c0ef2328db
سقراط ولولا دا سيلفا عام 1983


تجمع هذه الصورة، التي التُقطت عام 1983، بين سقراط، أسطورة كرة القدم البرازيلية، ولولا دا سيلفا، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للبرازيل؛ لتوثّق لقاءً بين رجلين جمعتهما، رغم اختلاف مساريهما، أحلام الحرية والديمقراطية والتغيير الاجتماعي.

search