الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

11:15 م

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

11:15 م

في ذكرى رحيله الـ53.. طه حسين من ظلام الطفولة لنور "عميد الأدب العربي"

عميد الأدب العربي طه حسين

عميد الأدب العربي طه حسين

بين طفولة قاسية، ومحاولة انتحار، ومعارك صاخبة، شكلت محطات وصاغت حكايات صاحب "الأيام"، تحل غدًا الذكرى الثالثة والخمسون لوفاة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي ترك لنا مؤلفات ومجلدات كانت بمثابة نافذة رأينا منها حياته منذ الطفولة وحتى الممات.

طفولة قاسية ومحاولة انتحار

وُلِدَ طه حسين علي بن سلامة يوم الخميس الموافق نوفمبر 1889م، في قرية الكيلو القريبة من مغاغة إحدى مدن محافظة المنيا، ولم يمر على ولادته أربعة ايام حتى أصيبت عيناه بالرمد وطُفيء نوريهما إلى الأبد بسبب جهل عائلته التي استعانت بـ“الحلاق” لعلاجه بدلًا من عرضه على الطبيب.

وكتب له الحلاق قطرة حارقة تسببت في فقدانه لبصرة إلى الأبد، وبينما كان يتألم من العلاج رفض الشكوى خشية أن يصبح مثل شقيقته الصغرى “شكاء بكاء”.

ودخل طه كتاب الشيخ محمد الجاد حيث كان يتعلم العربية والحساب وتلاوة القرآن الكريم، الذي استطاع حفظه في مدة قصيرة، لكن وراء اجتهاده في حفظ القرآن قصة مأساوية كادت تحرم العالم من نورة بصيرة طه حسين.

ففي الفصل العاشر من "الأيام" يحكي طه حسين أول محاولة انتحار له عندما فشل في حفظ بعض سور القرآن الكريم، فبعد أن خرج من المنظرة حيث كان يحاول الحفظ ووصل الكرار "ملحق للبيت" حيث توجد مجموعة من السكاكين، إذ همّ ممسكًا بالسطور وأهوى به إلى قفاه حتى سال الدم على ملابسه.

لحسن الحظ كانت أمه قريبة منه فجرته من يده لإحدى زوايا المطبخ ولم تهتم به لا هي ولا إخوته ولا حتى والده الذي لامه على نسيانه حفظ القرآن، ولم يلمه على محاولة انتحاره.

دراسته وشهادته العلمية

خرج طه حسين من حدود قريته، وتوجه إلى القاهرة حيث استزاد علمًا في رحاب الأزهر الشريف، وحصل على شهادته التي تخوله التخصص في الجامعة عام 1902 بشق الأنفس فقد ضاق ذرعًا بأساليب الدراسة والمناهج العقيمة وعدم تطور الأساتذة هناك وهذا ما ذكره بنفسه في كتابه "الايام".

وعنما فتحت الجامعة المصرية أبوابها عام 1908 كان طه حسين أول المنتسبين لها، حيث درس العلوم العصرية والحضارة الإسلامية والتاريخ والجغرافيا وعددًا من اللغات الشرقية، حتى نال شهادة الدكتوراه عن أطروحته "ذكرى أبي العلاء" التي أثارت ضجة واسعة في الأوساط الإسلامية حتى أمر شيخ الأزهر بعدم منحه درجة العالمية في الأزهر الشريف، عام 1914.

لكن غلق باب الأزهر الشريف أمام عميد الأدب العربي لم يكن عائقًا؛ ففي العام نفسه أرسلته الجامعة المصرية إلى مونبلييه الفرنسية حيث استزاد علمًا ومعرفة، ثم عاد في العالم التالي إلى مصر؛ حيث أثار معارك وخصومات كبيرة مع الأزهريين كادت تحرمه من منحة تعليمه في الخارج لولا تدخل السلطان حسين كامل.

زواج طه حسين

أنهى طه دراسته في فرنسا عام 1918، وفي خلال تلك الأعوام كان قد تعرف على زوجته سوزان بريسو الفرنسية السويسرية التي ساعدته على الاطّلاع أكثر على الثقافة الغربية والتمكن منها إلى حد كبير، فقد كان لسوزان أثر عميق على حياة طه، وكانت في فترة من حياته العين التي يرى بها العالم، إذ كانت تساعده على قرأة المراجع غير المكتوبة على طريقة برايل ودفعه إلى الأمام دائمًا حتى قال فيها الأديب الراحل "منذ أن سمعت صوتها لم يعرف قلبي الألم".

كانت سوزان مستشارته، ومساعدته، وصديقته المقربة، ثم أصبحت زوجته وأم أطفاله أمينة وشقيقها الأصغر مؤنس.

WhatsApp Image 2026-10-27 at 7.52.11 PM
طه حسين وزوجته سوزان

عودة إلى مصر 

عام 1919 عاد طه حسين إلى مصر وعُين أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني في الجامعة المصرية، ومن هذا التاريخ وحتى عام 1932تقلد طه حسين العديد من المنصاب منها من مضى فيها أعوام ومنها من لم يلبث فيها إلا يومًا واحدًا، حتى أُحيل إلى التقاعد.

بعد التقاعد عاش طه حسين فترة صعبة اضطر فيها للعمل الصحفي بجريد "كوكب الشرق" وما لبث أن استقال من عمله بسبب خلاف بينه وبين صاحب الصحيفة، فاشترى امتياز "جريدة الوادي" ولم يلبث أيضًا حتى ترك العمل الصحفي عام 1934، حتى يعود إلى الجامعة المصرية بصفته أستاذًا للأدب.

مجانية التعليم.. طه حسين وزيرًا للمعارف

في عام 1942 عمل طه حسين مستشارًا فنيًا لوزارة المعارف ومراقبًا للثقافة في الوزارة عينها، وفي عام 1950 تم تعيينه وزيرًا للمعارف في حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا، كانت فترة توليه المنصب فترة ازدهار للعملية التعليمية المصرية، إذ ينسب له فضل مجانية التعليم حتى مرحلة الثانوية فبعد أن كان حكرًا على أبناء الأعيان، أصبح الباب مفتوحًا أمام فئات عريضة من الشعب.

أما مرحلة التعليم الجامعي ظلت بمقابل مادي رغم محاولاته المستميتة في جعله مجانيًا إلى أن انطلقت ثورة الضباط الأحرار وأقرت مجانية التعليم لكل المستويات.

Nasser_and_Taha_Hussein,_Nov_19_1959
تكريم الرئيس جمال عبد الناصر لعميد الأدب العربي

إنشاء جامعات مصرية

كان لعميد الأدب العربي الفضل في إنشاء عدد من الجامعات المصرية، أو تطويرها من بينها جامعة القاهرة تحديدًا كلية الإعلام، ففي عام 1939 نشأ معهد الصحافة العالي وكان معروفًا حينها باسم معهد “التحرير والترجمة والصحافة”، وكان طه حسين آنذاك عميدًا لكلية الأداب، وكذلك كان له الفضل في إنشاء جامعة الإسكندرية خلال الحرب العالمية.

فبينما كان العالم منشغلًا بظروف الحرب وقلة المال، دعا طه ثراة الإسكندرية للمساهمة في إنشاء الجامعة وتدبير معامل ومكتبات لطلابها، ومن ثم سعى في إنشاء جامعات أخرى في القاهرة والأقليم من بينها جامعة عين شمس التي أطلق عليها حينها جامعة “إبراهيم باشا الكبير”.

عميد الأدب العربي

حصل طه حسين على لقب عميد الأدب العربي، نظرًا لإسهاماته الرائدة في تطوير الفكر والنقد الأدبي، وكذلك تدرجه في المناصب العلمية الرفيعة، لاسيما تقديم إرث من المؤلفات أبرزها “الأيام” و"الأديب" و"دعاء الكروان" وبعض المؤلفات الإسلامية التي حفرت اسمه كشخصية محورية في صياغة ملامح الأدب العربي الحديث.

التعليم حق للجميع 

علاوة على اعتباره التعليم حقًا للجميع كالماء والهواء، أقر منظومة تعليمية قوية تنافس المنظومات الأوروبية، كما أقر تغذية كاملة ومعدات دراسية وكتب مدرسية  للتلاميذ.

كان في الأزهر من المغضوب عليهم

علاقة طه حسين بالأزهر الشريف علاقة طويلة الأمد كانت بدايتها قاسية حتى وصلت لذروة العداوة، قبل أن تعود المياه إلى مجاريها مرة أخرى وتتوافق الأهداف.

في بداية حياته تمرد طه حسين على شيوخ الأزهر ومنهاجهم، ما حال بينه وبين شهادة العالمية، لكن بعد أن التحق بالجامعة المصرية وقدم أطروحة "أبي العلاء" إلا وأن انتفض الأزهريون لدرجة طلب فيها أحد النواب حرمانه من حقوق الجامعيين بتهمة الإلحاد والكفر.

بلغ العداء بين طه حسين والأزهر ذروته في العشرينيات، بعد إصدار كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وبعدها أزمة كتاب "في الشعر الجاهلي"؛ حيث طبق طه حسين الشك الديكارتي على الموروث التاريخي والأدبي العربي، متأثرًا بما درسه في فرنسا، إذ ادعى أن معظم الشعر الجاهلي لا يمثل العصر الجاهلي حقًا، بل وُضع بعد ظهور الإسلام لأسباب سياسية وقبلية ودينية، كما شكك في القصص المذكورة في القرآن باعتباره ليس دليل كافي ومباشر على مصداقيتها.

على سبيل المثال كان لا يرى أن هناك دليل على وجود النبيين إبراهيم وإسماعيل، قائلًا: للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما ولكن هذا لا يكفي لصحة وجودهما التاريخي.

وفي منتصف الثلاثينيات عدل طه لهجته في الحديث عن الأزهر، واتسم حديثه في هذه الفترة بالاحترام، فبعد أن تولى الشيخ المراغي رئاسة الأزهر بدأ زمن الوفاق ودعته مجلة الأزهر للكتابة عن ميلاد الرسولﷺ فاستجاب لطلبهم.

رحلة إلى بيت الله الحرام

في عام 1955، ذهب طه حسين لأداء فريضة الحج وسط استقبال مهيب من الملك سعود والأمراء والأدباء، والتقى هناك بالشيخ محمد متولي الشعراوي الذي رحب به ترحيبًا كبيرًا مخالفًا بموقفه زملائه الأزهريين الذين عرفوا بعداوتهم مع طه حسين آنذاك.

رحلة استغرقت 19 يومًا مثلت محطة فارقة في حياة عميد الأدب العربي، حيث تجلت مشاعره الإيمانية العميقة، وتعظيمه لمكة والمدينة المنورة، قائلًا: "هما المدينتان المقدستان اللتان تهوي إليهما أفئدة المسلمين، من زارهما منهم ومن لمْ يزرهما، ولم أكن إلاَّ واحدًا من هؤلاء المسلمين الذين يزورون مكة والمدينة منذ شَرَعَ الله الدين الحنيف للناس".

ومن مظاهر إجلال العميد لمكانة المدينة المنورة، رفضه للحديث والخطابة بها قائلًا: "ما كان لي أن أتكلم في مدينة النبيّ ﷺ وما كان لي أن أرفع صوتي وقد قال الله تعالى: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ".

WhatsApp Image 2026-10-27 at 7.55.42 PM
طه حسين خلال أدائه مناسك الحج

مناصب وجوائز

تقلد طه حسين عددًا من المناصب الرفيعة والقيادية، وحاز على شهادات وجوائز فخرية مصرية وعالمية من بينها:

مناصب قيادية واستشارية:

  •  تولى منصب وزير التربية والتعليم في مصر.
  •  تولى رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة. 
  • ترأس مجلس اتحاد المجامع اللغوية في العالم العربي عام 1971.
  • أشرف على معهد الدراسات العربية العليا. 
  • اختير عضوًا محكمًا في الهيئة الأدبية الإيطالية والسويسرية التي تمنح جائزة بوزان 
  • العالمية.
  •  أُنتخب عضوًا في المجلس الهندي المصري الثقافي.

 الشهادات الفخرية والجوائز الدولية: 

  • نال قلادة النيل عام 1965، وهي أرفع وسام مصري. 
  • حاز شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الجزائر عام 1964. 
  • حاز شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة بالرمو في صقلية بإيطاليا عام 1965.
  •  حاز شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة مدريد بإسبانيا عام 1968. 
  • رشحته الحكومة المصرية لنيل جائزة نوبل في الأدب مرتين عامي 1960 و1971. 
  • مثل مصر في مؤتمر الحضارة المسيحية الإسلامية في فلورنسا بإيطاليا عام 1960.

أمراض ومحاولة انتحار ثانية

حاول طه حسين الانتحار وهو فتى، وفكر في انهاء حياته وهو في أرذل العمر، وفي حديث نجله لإحدى المجلات العربية قال عن طبيعه والده أنه كان غارقًا في التشاؤم، وكانت تنتابه أطوار من القنوط حتى كانت تحدثه نفسه بالانتحار أحيانًا.

بينما نقل الدكتور عمار علي حسن في كتابة “بصيرة حاضرة، أن الأديب فكر في اكتوبر 1970 في قتل نفسه بعد تدهور حالته الصحية، وقال: ”لقد أصبحت الحياة بالنسبة إلي عذابًا، لو أني أستطيع الانتحار لانتحرت". 

وأضاف: "إنني أعاني من آلام الأمعاء التي لا تكاد تنقطع، وكذلك آلام البرد، فضلًا عن متاعب البيت، فأنا أرهق زوجتي معي، ولا أستطيع أن أرضيها في الأكل والحركة، فتثور وتبكي أحيانًا، وتخاصمني أحيانًا".

وفاة طه حسين

توفي طه حسين في 28 أكتوبر عام 1973 الذي وافق يوم عيد الفطر في القاهرة عن عمر ناهز 84 عامًا، ومع تزامن وفاته مع ظروف الحرب قرر الرئيس أنور السادات تأجيل تشييع الجنازة 3 أيام حتى يتمكن قيادات الدولة وكبار المسؤولين من حضورها على أعلى مستوى.

اقرأ أيضًا:

استراحة طه حسين بالمنيا.. هنا فك عميد الأدب العربي طلاسم الصمت وكتب دعاء الكروان

طه حسين.. عين ترى بالبصيرة وقلب عاشق بأذنيه

search