الجمعة، 30 أكتوبر 2026
07:49 ص
لم تكن محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، يوم 26 أكتوبر 1954، حادثًا منفصلًا عن الصراع السياسي الذي احتدم بين ثورة 23 يوليو وجماعة الإخوان المسلمين؛ فقد جاءت في مرحلة كانت الجماعة تسعى فيها إلى فرض وصايتها على السلطة الجديدة، بينما كانت قيادة الثورة تمضي في إعادة تشكيل الدولة المصرية وإنهاء الوجود العسكري البريطاني.
وفي 29 أكتوبر 1954، اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين، بعد محاولة اغتيال عبد الناصر بثلاثة أيام.
في 19 أكتوبر 1954، وقّعت مصر وبريطانيا اتفاقية الجلاء، التي حدّدت إطارًا زمنيًا لانسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس، منهيةً مرحلة طويلة من الاحتلال العسكري البريطاني المباشر. وكان الاتفاق خطوة كبرى على طريق استكمال الاستقلال الوطني، وتحقيق أحد الأهداف الرئيسية التي قامت من أجلها ثورة 23 يوليو.
لكن الاتفاقية لم تُنهِ الخلاف بين عبد الناصر والإخوان المسلمين، بل أصبحت إحدى ساحات المواجهة السياسية بين الطرفين. فقد هاجمت قيادات إخوانية الاتفاقية، واتخذت منها مدخلًا لتصعيد الصراع مع قيادة الثورة، في وقت كانت فيه الخلافات قد تجاوزت مسألة الاتفاقية إلى طبيعة السلطة نفسها: من يحكم مصر، ومن يملك حق توجيه قراراتها؟
وجاءت محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية يوم 26 أكتوبر، خلال احتفال جماهيري بتوقيع اتفاقية الجلاء، عندما أطلق محمود عبد اللطيف، عضو النظام الخاص المسلح للجماعة، ثماني طلقات نارية باتجاه عبد الناصر، الذي نجا من المحاولة، بينما أُصيب آخرون.
وبينما كان عبد الناصر يحتفل مع الجماهير باتفاقية الجلاء، كانت الرصاصات التي استهدفته تضع البلاد أمام سؤال يتجاوز الخلاف حول نصوص الاتفاقية: هل تُدار الخلافات السياسية بالحوار والعمل العام، أم بالعنف ومحاولة اغتيال رأس الدولة؟
كشفت محاولة اغتيال عبد الناصر أن الصراع بين الثورة والإخوان لم يكن مجرد اختلاف في تقدير شروط الجلاء، بل كان مرتبطًا أيضًا بالتنافس على السلطة ومستقبل الحكم في مصر. وقد اعتبرت قيادة الثورة ما جرى جزءًا من مخطط يستهدف التخلص من عبد الناصر ورفاقه، وفتح الطريق أمام الجماعة لفرض سيطرتها على الدولة.
لم تكن حادثة المنشية بداية تاريخ العنف المرتبط بالنظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين.
في أربعينيات القرن العشرين، شهدت مصر سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات التي ارتبطت بأعضاء النظام الخاص للجماعة، في سياق الصدامات السياسية بين الجماعة والنظام الملكي.
وكان من أبرز تلك الوقائع اغتيال القاضي أحمد الخازندار في 22 مارس 1948، واغتيال اللواء سليم زكي، حكمدار بوليس القاهرة، في 4 ديسمبر 1948. وفي 8 ديسمبر 1948، أصدر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين.
وفي 28 ديسمبر 1948، اغتيل النقراشي باشا على يد عبد المجيد أحمد حسن، الطالب بكلية الطب البيطري وعضو النظام الخاص. وقد جاء اغتياله في أعقاب قرار حل الجماعة، وفي سياق المواجهة الدامية بين الطرفين. وفي 12 فبراير 1949، اغتيل حسن البنا، مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، في واقعة جاءت بعد اغتيال النقراشي بنحو شهر ونصف.
كما ارتبط تاريخ النظام الخاص بأعمال تفجير وتخريب استهدفت مواقع ومنشآت مختلفة، وأصبحت هذه الوقائع جزءًا أساسيًا من تاريخ العلاقة بين الجماعة والدولة المصرية.
بعد محاولة الاغتيال، اتخذ مجلس قيادة الثورة، في 29 أكتوبر 1954، قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين. وجاء القرار في سياق تصاعد المواجهة بين الدولة والجماعة، وما ترتب على حادث المنشية من تحقيقات واعتقالات ومحاكمات.
كان قرار الحل في عام 1954 امتدادًا لمسار من الصدام بدأ قبل ذلك، لكنه اكتسب دلالة جديدة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر. فقد رأت قيادة الثورة أن وجود تنظيم سريّ مسلح يرتبط بقيادة سياسية، وتسعى عناصر منه إلى اغتيال زعيم الثورة، يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن النظام السياسي وقدرة الدولة على فرض سلطتها.
لذلك، لم يعد الخلاف محصورًا في مطالب الجماعة أو موقفها من اتفاقية الجلاء، بل أصبح متعلقًا بحدود عمل التنظيمات السياسية، وبحق الدولة في مواجهة تنظيم سري متهم باستخدام العنف لتحقيق أهدافه.
وانتهت محاكمات قضية المنشية إلى أحكام مشددة بحق عدد من قيادات الجماعة وأعضائها، فيما دخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة من الاعتقالات والمواجهة. وظلت أحداث عام 1954 نقطة فاصلة في تاريخ الإخوان المسلمين وفي تاريخ الدولة المصرية بعد ثورة 23 يوليو.
تكشف قراءة أحداث أكتوبر 1954 أن العلاقة بين عبد الناصر والإخوان تجاوزت الخلاف حول السياسات إلى صراع على طبيعة الدولة ومصدر القرار فيها. فالجماعة لم تكن تقبل بسهولة أن تنفرد قيادة الثورة بإدارة شؤون البلاد، وكانت تسعى إلى دور يتجاوز حدود العمل الدعوي والاجتماعي إلى التأثير المباشر في قرارات الحكم. أما قيادة الثورة، فرفضت إخضاع قراراتها لوصاية مكتب الإرشاد أو لأي تنظيم خارج مؤسسات الدولة.
لقد مثّل يوم 29 أكتوبر 1954 محطة حاسمة في المواجهة بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين. وبين توقيع اتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر، ومحاولة الاغتيال في 26 أكتوبر، وقرار الحل في 29 أكتوبر، تكشف الوقائع كيف انتقل الخلاف السياسي إلى مواجهة مفتوحة على السلطة ومستقبل الدولة المصرية.
---
المراجع:
عبد الله إمام، عبد الناصر والإخوان المسلمون.
حلمي النمنم، سيد قطب وثورة يوليو.
أحمد عادل كمال، النقط فوق الحروف.
علي عشماوي، التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين.
26 أكتوبر 2026 09:15 ص
24 أكتوبر 2026 09:32 ص
22 أكتوبر 2026 02:56 م
22 أكتوبر 2026 02:16 م
أكثر الكلمات انتشاراً