الخميس، 05 نوفمبر 2026
07:36 ص
في الثالث من يونيو عام 1964، شهدت القاهرة حدثًا استثنائيًا جمع بين الرياضة والسياسة والتاريخ، حين وصل إلى أرض مصر بطل العالم في الملاكمة للوزن الثقيل، محمد علي كلاي، في زيارة لم تكن مجرد رحلة رياضية عابرة، وإنما تحولت إلى مناسبة شعبية وسياسية لافتة، بلغت ذروتها بلقائه التاريخي مع الرئيس جمال عبد الناصر في منزله بمنشية البكري يوم 17 يونيو من العام نفسه.

كانت تلك الزيارة لقاءً رمزيًا بين شخصيتين مختلفتين في الميدان، متقاربتين في بعض المعاني التي ارتبطت بهما في وجدان الجماهير؛ فالأول بطل أمريكي أسود تحدى التمييز العنصري، واعتنق الإسلام، وأصبح رمزًا عالميًا للثقة بالنفس والكرامة، والثاني زعيم مصري ارتبط اسمه بالاستقلال الوطني ومقاومة الاستعمار ودعم حركات التحرر في آسيا وأفريقيا.


قبل وصوله إلى مصر بأشهر قليلة، كان محمد علي كلاي قد حقق واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ الملاكمة، عندما انتزع لقب بطولة العالم للوزن الثقيل من الملاكم الأمريكي الشهير سوني ليستون في فبراير 1964.
وفي العام نفسه، أعلن اعتناقه الإسلام، وتخلى عن اسمه السابق كاسيوس كلاي، ليصبح محمد علي وجاءت زيارته لمصر بناءً على دعوة من الاتحاد العربي للملاكمة، في وقت كانت فيه القاهرة تتمتع بمكانة بارزة في العالمين العربي والأفريقي، في ظل سياسة جمال عبد الناصر الداعمة لحركات التحرر الوطني وحركة عدم الانحياز.


في الثالث من يونيو 1964، وصل محمد علي إلى مطار القاهرة، حيث احتشد آلاف المصريين لاستقباله، في مشهد عكس الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها رغم حداثة عهده بلقب بطولة العالم.
وتقدم مستقبليه علي شفيق، رئيس اتحاد الملاكمة آنذاك، إلى جانب عدد من علماء الأزهر وأعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
وقد بلغ الحماس الجماهيري حدًا جعل تنظيم الاستقبال أمرًا صعبًا، نتيجة تدافع المعجبين والصحفيين لمحاولة الاقتراب من البطل العالمي والتقاط الصور معه.
لم تقتصر زيارة محمد علي على العاصمة، بل امتدت إلى عدد من المدن المصرية، من بينها الإسكندرية وبورسعيد والأقصر وأسوان.

وزار أهرامات الجيزة والمعابد والآثار المصرية القديمة، وأبدى إعجابه بحجمها وروعتها، مؤكدًا أن ما شاهده على الطبيعة فاق ما كان يتصوره من قراءاته عنها.
كما قدم عروضًا ومباريات استعراضية في الملاكمة، شارك في بعضها شقيقه عبد الرحمن، وسط اهتمام جماهيري كبير.
وكانت زيارته لمشروع السد العالي في أسوان من أبرز محطات جولته؛ إذ كان المشروع وقتها لا يزال قيد الإنشاء، ويُقدم باعتباره أحد أهم رموز التنمية والاستقلال الاقتصادي في عهد عبد الناصر وأشاد محمد علي بالمشروع وبالجهود المبذولة في تشييده، ورأى فيه إنجازًا يعكس حجم الطموح المصري.
وفي بورسعيد، استعاد ذكريات العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهو الحدث الذي أسهم في تعزيز مكانة عبد الناصر لدى قطاعات واسعة من الشعوب الأفريقية والآسيوية.
ولم يغفل الجانب الديني خلال جولته، فزار عددًا من المساجد وأدى الصلاة، في زيارة جاءت بعد فترة قصيرة من إعلانه اعتناق الإسلام.
كانت مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر أمنية خاصة لدى محمد علي، ولم تكن مدرجة في البرنامج الأصلي للزيارة.
وقد عبّر عن رغبته في اللقاء منذ وصوله إلى القاهرة، حيث كان ينظر إلى عبد الناصر بوصفه أحد أبرز زعماء العالم الثالث ورمزًا لمقاومة الاستعمار.
وفي 17 يونيو 1964، تحققت أمنيته عندما استقبله الرئيس جمال عبد الناصر في منزله بمنشية البكري بالقاهرة.
ولم يكن الرئيس وحده خلال الاستقبال؛ فقد حضر بعض أبنائه، ومن بينهم نجله الأصغر عبد الحكيم، الذي بادر إلى مصافحة بطل الملاكمة بحماس.

وكانت المصافحة بين الرجلين تحمل دلالة تتجاوز مجرد استقبال رئيس دولة لشخصية رياضية عالمية؛ فقد التقى بطل أمريكي من أصل أفريقي، يعيش في بلاده صراعًا مع التمييز العنصري، بزعيم مصري كان يدعو إلى استقلال الشعوب الأفريقية والآسيوية ورفض الهيمنة الاستعمارية.
ومن هنا اكتسب اللقاء مكانته في الذاكرة التاريخية، بوصفه صورة من صور التقارب الإنساني والشعبي بين حركات التحرر والرموز العالمية المناهضة للتمييز.
من المحطات المهمة خلال الزيارة الحوار الصحفي الذي أجراه الناقد الرياضي الكبير نجيب المستكاوي مع محمد علي، ونشرته الأهرام يوم 12 يونيو 1964 تحت عنوان: محمد على كلاى يفتح قلبه ويتكلم
وتحدث البطل العالمي خلال الحوار عن تجربته الشخصية مع التمييز العنصري في الولايات المتحدة، وعن الظروف التي دفعته إلى البحث عن هوية دينية وفكرية جديدة.
وأوضح أنه شاهد صورًا قاسية من الاعتداءات العنصرية، بما في ذلك استخدام كلاب الشرطة ضد النساء والأطفال خلال الصراع على الحقوق المدنية.
وبذلك لم تكن زيارته لمصر مجرد احتفاء بنجاحه الرياضي، بل أتاحت للجمهور المصري التعرف إلى أفكاره ومواقفه الاجتماعية والدينية.
شهدت الزيارة أيضًا ظهورًا تلفزيونيًا مميزًا لمحمد علي مع الإعلامية المصرية ليلى رستم وخلال اللقاء، تحدث بطل الملاكمة أمام مجموعة من الضيوف، وأجاب عن أسئلة متنوعة تناولت حياته وأفكاره وشخصيته.
لم تكن زيارة عام 1964 آخر صلة لمحمد على بمصر؛ فقد عاد إليها في مناسبات لاحقة، من بينها زيارة موثقة عام 1986، بعد اعتزاله الملاكمة.
غير أن زيارته الأولى ظلت الأكثر ارتباطًا بالذاكرة السياسية المصرية، لأنها جمعت بين بطل صاعد إلى قمة الشهرة العالمية وزعيم كان يقود مشروعًا سياسيًا وقوميًا واسع التأثير.
لقد جاء محمد علي إلى مصر حاملًا لقب بطل العالم، لكنه غادرها وقد أضاف إلى مسيرته فصلًا إنسانيًا وثقافيًا مهمًا، فيما احتفظت الذاكرة المصرية بصورة ذلك الشاب الذي أصر على مقابلة عبد الناصر، ووجد في مصر ما يستحق الإعجاب والاحتفاء.
وهكذا بقي لقاء يونيو 1964 واحدًا من المشاهد التي تختصر روح حقبة كاملة، كانت فيها القاهرة مقصدًا للعديد من الشخصيات العالمية، وكانت فيها الرياضة، شأنها شأن الثقافة والسياسة، جسرًا للتواصل بين الشعوب.
26 أكتوبر 2026 09:24 ص
23 أكتوبر 2026 09:12 ص
22 أكتوبر 2026 11:30 ص
19 أكتوبر 2026 10:23 ص
أكثر الكلمات انتشاراً