الخميس، 05 نوفمبر 2026
02:00 م
هناك انتخابات لا تُقاس نتائجها بعدد المقاعد التي انتقلت من حزب إلى آخر، ولا بعدد النواب الذين غادروا الكونجرس ودخلوا إليه، وإنما بما تكشفه من تحولات أعمق داخل المجتمع الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع، والانتخابات الأمريكية الأخيرة واحدة من هذه الحالات.
فما جرى في الثالث من نوفمبر 2026 لم يكن مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري، ولا مجرد استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ؛ ما جرى كان رسالة سياسية يصعب على البيت الأبيض تجاهلها، وربما تكون أكثر أهمية من الأرقام نفسها؛ رسالة تقول إن الناخب الأمريكي، حتى ذلك الذي منح دونالد ترامب ثقته في انتخابات 2024، لم يعد مستعداً لمنح إدارته شيكاً على بياض.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ من صناديق الاقتراع وحدها، بل جاءت من داخل البيت الأبيض نفسه!
فبعد ساعات من إعلان النتائج، خرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بتصريح لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تعليق عابر على هزيمة انتخابية، حيث قالها بوضوح: "السبب الذي جعلنا نخسر هو الحرب، والرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية".
تأمل هذه العبارة جيداً..
نحن لا نتحدّث عن معارض ديمقراطي، ولا عن صحفي ينتقد سياسات ترامب، ولا عن ناشط أمريكي يتظاهر احتجاجاً على الحرب، بل نحن أمام الرجل الثاني في الإدارة الأمريكية، الذي يضع الحرب على إيران في قلب تفسيره لهزيمة حزبه، والأهم أن فانس لم يتوقف عند هذا الحد، بل تحدّث عن أربعة مطالب باتت تشغل قطاعاً من الناخبين الذين ابتعدوا عن الجمهوريين: إنهاء الحرب، والاهتمام بتكاليف المعيشة والتضخم، والعودة إلى شعار "أمريكا أولاً"، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
هنا تحديداً تبدأ الحكاية التي تستحق التوقف أمامها.
فإذا كانت الحرب على إيران قد أصبحت، وفقاً لتفسير نائب الرئيس، سبباً رئيسياً في خسارة الجمهوريين، وإذا كانت العلاقة مع إسرائيل قد أصبحت واحدة من القضايا المطروحة في مراجعة الحزب لأسباب الهزيمة، فنحن أمام تحوّل يستحق قراءة تتجاوز حدود المنافسة الحزبية الأمريكية.
لأن السؤال لم يعد فقط: لماذا خسر ترامب انتخابات التجديد النصفي؟ السؤال الأكثر أهمية هو: هل بدأت الكلفة السياسية للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية تتغير داخل المجتمع الأمريكي؟ لسنوات طويلة، ظلت العلاقة مع إسرائيل واحدة من أكثر الملفات حساسية في السياسة الأمريكية، وكان الاقتراب من انتقادها، أو المطالبة بإعادة النظر في الدعم المقدم لها، يمثل مخاطرة سياسية بالنسبة إلى كثير من المرشحين، خصوصاً في الانتخابات الفيدرالية، ولكن السنوات الأخيرة حملت متغيرات لم تعد تسمح باستمرار هذه المعادلة على النحو القديم..
فحرب غزة، وما صاحبها من مشاهد الدمار وسقوط المدنيين، ثم اتساع دائرة المواجهة وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وضعت السياسة الخارجية الأمريكية أمام اختبار داخلي غير مسبوق في حدته. فلم تعد هذه الملفات مجرد موضوعات للنقاش داخل أروقة وزارة الخارجية أو مراكز الدراسات الاستراتيجية، وإنما أصبحت حاضرة في الجامعات، ووسائل الإعلام، والاحتجاجات الشعبية، والنقاشات الانتخابية.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى نقطة مهمة؛ ليس كل ناخب أمريكي يعارض الحرب على إيران مؤيداً للفلسطينيين، وليس كل من ينتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل يتبنى الموقف السياسي نفسه، ولكن اجتماع هذه المواقف داخل مساحة انتخابية واحدة يكشف عن اتساع دائرة الأسئلة التي لم تكن تحظى بهذا الحضور من قبل.
ولعل دلالة فوز عبد الرحمن السيد "عبدول" بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، في مواجهة الجمهوريين، تستحق التوقف عندها؛ فالرجل الذي ارتبط اسمه بمواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية والداعمة لحقوق الفلسطينيين يدخل مجلس الشيوخ في لحظة تشهد فيها العلاقة مع إسرائيل نقاشاً أمريكياً أكثر اتساعاً من السابق.
وهذا لا يعني أن الكونجرس الأمريكي أصبح مؤسسة مناصرة لفلسطين، ولا أن التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب أصبح على وشك الانتهاء؛ فهذه استنتاجات أكبر من أن تسمح بها نتائج انتخابات واحدة. لكن المؤكد أن مساحة النقاش السياسي اتسعت، وأن أصواتاً كانت تجد صعوبة في الوصول إلى مواقع التأثير أصبحت جزءاً من المشهد الانتخابي والمؤسسي.
والآن، دعنا ننتقل إلى الجانب الآخر من الحكاية؛ فالناخب الأمريكي لا يذهب إلى صندوق الاقتراع حاملاً ملف السياسة الخارجية وحده، فهناك الاقتصاد، وأسعار الوقود، وتكاليف السكن، والتضخم، والقلق من المستقبل، وهذه القضايا كانت حاضرة بقوة في قراءة نتائج الانتخابات الأخيرة.
لقد اعترف ترامب نفسه بأن الحرب مع إيران ساهمت في إضعاف موقف الجمهوريين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود وما ترتب عليه من أعباء إضافية على المواطن الأمريكي.
وهنا تظهر المفارقة التي ربما لم ينتبه إليها كثيرون في واشنطن بالقدر الكافي، فالإدارة التي رفعت شعار "أمريكا أولاً"، وقدمت نفسها باعتبارها صوت المواطن الأمريكي الرافض لاستنزاف بلاده في الحروب الخارجية، وجدت نفسها أمام حرب أصبحت كلفتها الاقتصادية والسياسية جزءاً من الحساب الانتخابي الداخلي.
بمعنى آخر، لم يعد المواطن الأمريكي ينظر إلى الحرب باعتبارها قراراً بعيداً يتخذه الرئيس داخل غرفة العمليات، وإنما يسأل عن ثمنها، وعن جدواها، وعن علاقتها بحياته اليومية، وهذا تحديداً ما يجعل نتائج انتخابات التجديد النصفي أكثر أهمية من مجرد انتقال الأغلبية البرلمانية من حزب إلى آخر.
فمنذ سنوات، كانت واشنطن تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره ساحة تتحرك فيها المصالح الأمريكية، وتُدار فيها التحالفات وفق حسابات الأمن والنفوذ والطاقة. أما اليوم، فإن هذه الحسابات نفسها أصبحت موضع نقاش داخل المجتمع الأمريكي، وربما داخل الحزب الجمهوري ذاته.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن خسارة الجمهوريين لا تعني بالضرورة أن الديمقراطيين يتبنون رؤية واحدة بشأن الشرق الأوسط، أو أنهم سيغيرون بصورة تلقائية السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وإيران، فداخل الحزب الديمقراطي نفسه تباينات واضحة، كما أن المؤسسات الأمريكية وموازين القوى الاستراتيجية لا تتغير بمجرد تغير الأغلبية البرلمانية.
لكن وجود أغلبية ديمقراطية في مجلسي الكونجرس يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة والمساءلة والنقاش بشأن قرارات الإدارة، خصوصاً ما يتعلق بالحرب وتكاليفها والالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج.
وهنا نصل إلى ما يهمنا في منطقتنا العربية؛ فإن ما يحدث في واشنطن ليس شأناً أمريكياً خالصاً، ولا يمكن التعامل معه باعتباره صراعاً بين جمهوريين وديمقراطيين لا علاقة لنا به، فالقرارات التي تُصنع في العاصمة الأمريكية تمتد آثارها إلى أمن الشرق الأوسط، ومستقبل القضية الفلسطينية، وأمن الخليج، وحركة الملاحة في البحر الأحمر، ومستقبل التوازنات الإقليمية.
ومن هنا تبرز أهمية الموقف المصري، الذي ينطلق من ضرورة احتواء التصعيد، ومنع اتساع دائرة الصراع، والحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية، والتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية.
فمصر تدرك أن استمرار الحروب لا ينتج سوى مزيد من الفوضى، وأن أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم على إدارة الصراعات إلى ما لا نهاية، وإنما يحتاج إلى تسويات سياسية تضمن حقوق الشعوب وتحفظ استقرار الدول.
كما أن القاهرة، بحكم موقعها ودورها واتصالاتها الإقليمية والدولية، معنية بأن يكون أي تحول في السياسة الأمريكية فرصة لإعادة الاعتبار إلى الدبلوماسية، وليس مجرد انتقال من شكل من أشكال التصعيد إلى شكل آخر.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه واشنطن على نفسها الآن ليس فقط كيف استعادت الديمقراطية السيطرة على الكونجرس، وإنما ماذا تعني هذه النتيجة لمستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟
لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى الانتخابات الأمريكية باعتبارها مناسبة لتغيير الأشخاص، لكنه ربما يحتاج هذه المرة إلى النظر إليها باعتبارها مؤشراً على تغير بعض القناعات داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
فالرئيس قد يربح انتخابات، وقد يخسر أخرى، والحزب قد يتقدم أو يتراجع، لكن التحولات الحقيقية تبدأ عندما تتغير الأسئلة التي يطرحها المواطن على حكومته.
ولعل أهم ما كشفته هذه الانتخابات أن شعار "أمريكا أولاً" لم يعد مجرد عبارة انتخابية تُرفع في التجمعات الجماهيرية، بل أصبح معياراً يحاسب الناخب من خلاله الإدارة على قراراتها الخارجية، وعلى الأموال التي تنفقها، وعلى الحروب التي تخوضها.
وفي النهاية، ربما لا تكون الانتخابات الأمريكية قد قدمت إجابة نهائية عن مستقبل العلاقة مع إسرائيل، لكنها طرحت سؤالاً لم يعد من السهل تجاهله:
إلى أي مدى يستطيع أي رئيس أمريكي أن يواصل إدارة حروب خارج حدود بلاده، وتحمل تكاليف تحالفاته، دون أن يدفع ثمن ذلك داخل صناديق الاقتراع؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل واشنطن الآن. وليس من قبيل المبالغة القول إن الإجابة عنه لن تحدد فقط ملامح المرحلة المقبلة في السياسة الأمريكية، بل ستترك آثارها أيضاً على مستقبل منطقتنا العربية، التي دفعت وما زالت تدفع أثماناً باهظة لصراعات لم تكن دائماً صاحبة القرار في إشعالها أو إيقافها.
02 نوفمبر 2026 09:52 ص
19 أكتوبر 2026 10:11 ص
03 أكتوبر 2026 12:20 م
15 سبتمبر 2026 08:21 ص
أكثر الكلمات انتشاراً