الجمعة، 06 نوفمبر 2026
08:35 م
صورة افيليم بوريه في قرية تونس
بين ضفاف بحيرة قارون وورش صناعة الخزف والفخار، تتجسد واحدة من أبرز حكايات التحول بمحافظة الفيوم، وهي حكاية قرية تونس التي انتقلت من قرية ريفية هادئة إلى واحدة من أهم الوجهات السياحية في مصر، لتصبح مقصدا للفنانين والسائحين من مختلف أنحاء العالم.
وبالتزامن مع افتتاح محافظ الفيوم الدكتور محمد هاني غنيم، فعاليات مهرجان تونس للخزف والفخار والحرف اليدوية، تتجدد تفاصيل هذه الرحلة الاستثنائية التي لم تبدأ بمشروع سياحي ضخم أو استثمارات كبرى، وإنما انطلقت من فكرة بسيطة قادتها سيدة سويسرية آمنت بموهبة أطفال القرية، ورأت في قدرتهم على تشكيل الطين وصناعة المجسمات الفنية فرصة لبناء مستقبل مختلف لهم ولمجتمعهم.
تقع قرية تونس بمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، في موقع مميز يطل على بحيرة قارون، وتحيط بها المساحات الخضراء والمناظر الطبيعية الخلابة، كما تتميز بمنازلها ذات الطابع الريفي والعمارة المميزة التي منحتها هوية بصرية خاصة.
ورغم ما تتمتع به القرية من مقومات طبيعية وجمالية، فإنها لم تكن قبل عقود تحظى بالشهرة السياحية التي وصلت إليها حاليا، إذ كانت مجتمعا ريفيا بسيطا يعيش أهله حياة هادئة تعتمد على الأنشطة التقليدية، بعيدا عن حركة السياحة التي أصبحت اليوم جزءا أساسيا من ملامح المكان.
وظلت الطبيعة أبرز ما يميز القرية، حتى دخلت إليها تجربة صناعة الخزف والفخار، لتبدأ معها مرحلة جديدة من التحول، أعادت تشكيل صورتها ووضعتها على خريطة السياحة المصرية.
تعود بداية الحكاية إلى ستينيات القرن الماضي، عندما وصلت السويسرية إيفلين بوريه إلى قرية تونس، فأسرتها طبيعتها الهادئة وإطلالتها الساحرة على بحيرة قارون، ولم تكتفِ بزيارتها، بل قررت الإقامة بها والعيش وسط أهلها ومشاركتهم تفاصيل حياتهم اليومية، حتى أصبحت واحدة من أبناء المجتمع المحلي، وأطلق عليها الأهالي اسم «أم أنجلو».
وكانت إيفلين تمتلك خبرة في الفنون التطبيقية وصناعة الخزف، وهو ما ساعدها على اكتشاف موهبة مميزة لدى أطفال القرية، الذين اعتادوا اللعب بالطين وتشكيله بأيديهم في صور ومجسمات مختلفة.
ومن هنا ولدت الفكرة؛ إذ رأت أن ما يمارسه الأطفال بصورة عفوية يمكن أن يتحول إلى حرفة فنية ومشروع تعليمي يفتح أمامهم آفاقا جديدة، ويوفر لأبناء القرية فرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية من خلال استثمار مواهبهم وقدراتهم.
بدأت إيفلين بوريه تعليم أطفال القرية فنون تشكيل الطين وصناعة الخزف والفخار، وأسست ورشة صغيرة تحولت بمرور الوقت إلى النواة الأولى لمدرسة فنية داخل القرية.
ومن خلال هذه التجربة، تعلم الأطفال والشباب والفتيات كيفية التعامل مع الطين وتشكيله وتحويله إلى منتجات فنية متنوعة، ولم تكن الورشة مجرد مكان لتعليم صناعة الأواني والتحف، بل أصبحت مساحة لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وإعداد جيل قادر على العمل والإنتاج.
ومع استمرار التدريب واكتساب الخبرات، بدأ أبناء القرية في إنشاء ورشهم الخاصة، وانتقلت الحرفة من جيل إلى آخر، لتصبح جزءا أصيلا من هوية قرية تونس ومصدرا مهما للدخل وفرص العمل.
ولم يقتصر دور إيفلين على الجانب الفني، بل امتد إلى الاهتمام بالتعليم، حيث ساهمت في تعليم الأطفال القراءة والكتابة وإنشاء فصل لمحو الأمية، إيمانا منها بأن تطوير المجتمع يبدأ ببناء قدرات أفراده على مختلف المستويات.
كما حرصت على التواصل مع الفنانين والخزافين من الخارج، وساعدت في تسويق منتجات أبناء القرية والمشاركة بها في المعارض الدولية، وهو ما ساهم في انتقال شهرة صناعة الخزف والفخار من نطاق القرية إلى خارج حدود مصر.
بمرور السنوات، لم تعد صناعة الخزف والفخار مجرد تجربة بدأت داخل ورشة صغيرة، بل تحولت إلى صناعة محلية لها حضورها وتأثيرها في حياة أبناء القرية، وأصبحت الورش المنتشرة في تونس من أبرز عوامل الجذب السياحي بها.
ويستطيع زائر القرية التعرف على مختلف مراحل صناعة الخزف، بداية من إعداد الطين وتشكيله، مرورا بالتجفيف والحرق والتلوين، وصولا إلى التشطيب النهائي، لتتحول الخامات البسيطة إلى قطع فنية تحمل بصمة الحرفيين وتعكس خصوصية المكان.
وتنوعت المنتجات التي يصنعها أبناء القرية، فلم تعد تقتصر على الأواني والأدوات التقليدية، بل امتدت إلى التحف والقطع الفنية والمشغولات التي يقبل السائحون على اقتنائها، لما تتميز به من طابع فني وحرفي خاص.
وساهم انتشار هذه الصناعة في توفير فرص عمل جديدة لأبناء القرية، وفتح مجالات أوسع أمام الشباب والفتيات، كما عزز من ارتباط الأجيال الجديدة بالحرفة، لتصبح نموذجا ناجحا لتحويل المهارات المحلية إلى نشاط اقتصادي مستدام.
لم تعتمد شهرة قرية تونس على صناعة الخزف والفخار وحدها، بل ساهمت مقوماتها الطبيعية وموقعها المتميز في تعزيز مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية بمحافظة الفيوم.
فإطلالتها على بحيرة قارون، وطبيعتها الهادئة، ومنازلها ذات الطراز الريفي، والمساحات الخضراء المحيطة بها، منحتها طابعا خاصا يجذب الزوار الباحثين عن الاستمتاع بالطبيعة والابتعاد عن صخب المدن.
كما يمثل قربها من محمية وادي الريان وبحيرة قارون ميزة إضافية، جعلتها محطة مهمة ضمن الرحلات السياحية التي تستهدف التعرف على المحميات الطبيعية والمناظر الصحراوية التي تشتهر بها محافظة الفيوم.
ومع تزايد الإقبال السياحي وارتفاع شهرة القرية، ظهرت مشروعات متنوعة شملت الفنادق البيئية وبيوت الضيافة والمطاعم، لتقدم تونس تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الإقامة وسط الطبيعة، وزيارة ورش الحرف اليدوية، والتعرف على التراث المحلي.
وهكذا نجحت القرية في الجمع بين السياحة البيئية والفنون والحرف التقليدية، لتقدم نموذجا مختلفا للسياحة يعتمد على خصوصية المكان وقدرات أبنائه، وليس فقط على المقومات الطبيعية.
في يونيو 2021، رحلت إيفلين بوريه عن عالمنا، بعد رحلة طويلة قضتها في مصر وبين أبناء قرية تونس، لكنها تركت وراءها إرثا إنسانيا وفنيا واقتصاديا لا يزال حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية للقرية حتى اليوم.
فلم يكن ما قدمته مجرد تعليم مجموعة من الأطفال صناعة الفخار، وإنما تجربة متكاملة ساهمت في اكتشاف المواهب، وفتح أبواب جديدة للعمل والإنتاج، وتحويل مهارات بسيطة إلى حرفة أصبحت مصدر رزق وهوية يتوارثها أبناء الأجيال المتعاقبة.
وتظل حكاية «أم أنجلو» واحدة من أبرز النماذج التي تؤكد قدرة الأفكار البسيطة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمعات، وكيف يمكن لشغف شخص واحد وإيمانه بقدرات الآخرين أن يصنع مستقبلا مختلفا لقرية بأكملها.
واليوم، ومع تجدد فعاليات مهرجان تونس للخزف والفخار والحرف اليدوية، تواصل القرية كتابة فصول حكايتها، لتؤكد أن الطين الذي كان مادة بسيطة بين أيدي أطفالها أصبح فنا وحرفة ومصدرا للرزق، وأحد أهم أسباب شهرتها السياحية داخل مصر وخارجها.




























06 نوفمبر 2026 07:49 م
06 نوفمبر 2026 07:04 م
06 نوفمبر 2026 07:00 م
06 نوفمبر 2026 06:42 م
06 نوفمبر 2026 05:59 م
06 نوفمبر 2026 05:26 م
06 نوفمبر 2026 05:09 م
06 نوفمبر 2026 01:02 م
أكثر الكلمات انتشاراً