السبت، 07 نوفمبر 2026
05:34 م
نقوش مقبرة «بيتوزيريس» بالمنيا تكشف أسرار صناعة العطور والنبيذ
حين تقف أمام جدران مقبرة أثرية في قلب محافظة المنيا، وتحديدًا في منطقة تونا الجبل بمركز ملوي، فإنك لا تتأمل مجرد أحجار صامتة، بل تقرأ صفحاتٍ نابضة بالحياة من تاريخ البشرية، فجدران مقبرة الكاهن «بيتوزيريس» (أو بادي-أوزير) ، تأخذك النقوش الجدارية في رحلة عبر الزمن لتعيد رسم مشاهد دقيقة تدمج بين الفن والمهارة، من صناعة العطور الفاخرة وصياغة الذهب، وصولاً إلى أدق تفاصيل خطوط إنتاج النبيذ وتوزيعه.
هل تخيلت يومًا أن جدران مقبرة أثرية يمكن أن تحكي لك أسرار صناعة العطور منذ آلاف السنين؟، ففي مقبرة الكاهن “بيتوزيريس”، توثق النقوش مشاهد مذهلة تكشف جانبًا من براعة المصري القديم في صناعة العطور والمواد العطرية؛ بدءًا من مراحل تجهيز المكونات، وسحقها، وخلطها، وصولًا إلى إعدادها وحفظها بعناية في أوعية مخصصة.
ولم تكن العطور في مصر القديمة مجرد مظاهر رفاهية، بل شكّلت عنصرًا أساسيًا في الطقوس الجنائزية والدينية، واستخدامات الحياة اليومية، كما مثّلت منتجًا مصريًا رئيسيًا تجاوزت شهرته الحدود الإقليمية لتصل إلى الحضارات المجاورة عبر خطوط التجارة القديمة.
لم تقتصر جدران مقبرة “بيتوزيريس” على حفظ أسرار العطور، بل امتدت لتسجل تفاصيل صناعة النبيذ وتوزيعه بمنتهى الدقة والواقعية:
في الصالة الأولى لمقبرة الكاهن، يبرز منظر فريد يعنى بـ تنظيف وثقل الحلي المصنوعة من الذهب، هذا المنظر يجسد ملامح الحياة اليومية والحرف اليدوية، ويبرز تمازجًا فريدًا بين الفن المصري القديم والفنون اليونانية والفارسية التي تأثرت بها الحقبة، وقد أولى المصري القديم اهتمامًا بالغًا بالحلي للرجال والنساء على حد سواء؛ وهو ما تؤكده الاكتشافات الأثرية للعالم «چوستاف ليفيفر»، الذي عثر على العديد من الخواتم الذهبية داخل بئر الدفن الخاص ببيتوزيريس.
تقع منطقة تونا الجبل غرب مدينة ملوي جنوب المنيا بحوالي 18 كيلومترًا في أحضان الجبل الغربي، وتُعد واحدة من أهم المناطق الأثرية والتاريخية في مصر، لما تخفيه من أسرار تثير الخيال:
تضم المنطقة شبكة من السراديب الغامضة أسفل الأرض وممرات بين الصخور تعود للعصر البطلمي، وكانت بمثابة “مدينة تحت الأرض” خُصصت لدفن طائر الإنجل (الأيبس) – رمز الإله «تحوت» رب الحكم والمعرفة – إضافة إلى قرد البابون.
عرفت قديماً باسم “تا-ونت” (أرض الأرنبة) أو “تا-حنت” (أرض البحيرة المقدسة، نسبة لوجود بحيرة لتربية طائر الإيبس المقدس)، ومع مرور الزمن ووقوعها في أحضان الجبل، تحول الاسم إلى “تونى”، ثم “تونيه”، وصولاً إلى اسمها الحالي تونا الجبل.
تظل “تونا الجبل” قبلة عالمية للسياحة الثقافية والداخلية، لما تضمه من مزارات فريدة تجتذب الأفواج متعددة الجنسيات. ولطالما كانت محط أنظار الشخصيات التاريخية والأدبية العظيمة؛ فقد زارها الملك فاروق الأول، واتخذها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين مقرًا عاش فيه، ومن استراحته الشهيرة في المنطقة خرجت إلى النور إبداعاته الخالدة مثل رواية "دعاء الكروان".
من العطور الفاخرة إلى بريق الذهب وصناعة النبيذ، تظل المنيا صندوقا مفتوحًا، يروي للأجيال قصة حضارة أبت إلا أن تخلد أسرارها على جدران الخلود.

07 نوفمبر 2026 04:55 م
07 نوفمبر 2026 03:55 م
07 نوفمبر 2026 01:03 م
07 نوفمبر 2026 12:31 م
أكثر الكلمات انتشاراً