الإثنين، 27 مايو 2024

12:59 ص

"شقو" المعادلة السبكية بتوقيع يسرا

الصديقان اللذان تجمعهما الجريمة وفي ذات الوقت الصفات الإنسانية الأصيلة من وفاء وإخلاص، وشهامة، أحدهما إسماعيل (عمرو يوسف) النسخة المصرية الشعبية لشخصية (روبن هوود) اللص الشريف الذي يسرق الأغنياء ليساعد المحتاجين، وحجازي (محمد ممدوح) الذي يميل إلى العنف والقتل أحيانًا، ولكنه في ذات الوقت عاشق لزوجته (أمينة خليل) يصبح أمامها كالطفل، وطابعه الشرقي الخشن، لا يعارض عملها راقصة درجة ثالثة.

الأقدار تأخذ إسماعيل ليقع في حب (دينا الشربيني) التي كادت تفقد حياتها أثناء قيام إسماعيل أو شقو بإحدى السرقات لرجل أعمال كانت تعمل لديه ممرضة وأثناء تلقيها العلاج يبدأ إسماعيل بالتقرب منها وتبدأ قصة حبها دون أن تعرف حقيقته. ومع تطور الأحداث يدخل الخلاف بين شقو وصديقه لرغبته في ترك الإجرام.

توليفة البطل الشعبي المليئة بالمتناقضات التي تثير إعجاب الجمهور الباحث عن المتعة رغم عدم المعقولية، ليست بجديدة، دام استخدامها منذ فجر السينما، على مدار أجيال عديدة، من الكبار أنور وجدي وفريد شوقي، إلى الزعيم عادل إمام، في فيلم (سلام يا صاحبي) الذي ربما بات هذا الفيلم هو  كلاسيكية تلك التيمة بشكلها المعاصر.
كل نجوم السينما الذين بحثوا عن نجاح مضمون داروا وعادوا إلى ذات "التوليفة"، لا يوجد فنان على الساحة حاليا لم يقدمها، ومع ذلك لم تفشل مرة في جذب الجمهور، حتى لو قدمت بشكل ركيك.
ولماذا نذهب بعيدًا، آخر إصدارات هذه الوجبة، كان مسلسل “العتاولة” بنفس المفردات والشخصيات تقريبًا، إذ أن مساحة الاختلاف في هذا الإطار ليست ثرية، ومع ذلك دراما البطل الشعبي رهان لا يخيب.

وبرغم كل ما سلف ذكره فإن أول الملحوظ في فيلم (شقو) هو الإجادة والإتقان في أغلب تفاصيل العمل، وكأنها فكرة تقدم لأول مرة، هنا لا تشاهد مجرد موضوع سينمائي معتاد، بل أنت أمام المعادلة السبكية الأكثر نجاحًا بكل أدواتها.

من الإجحاف أن تتعامل مع أحمد السبكي كونه منتجًا سينمائيًا عاديًا، لأنه مدرسة سينمائية شديدة الخصوصية، بكل تفاصيل الوصف، لديه معادلة هي الأكثر نجاحًا، تطورت لتصبح أكثر نضوجًا مع الجيل الثاني من السبكية، محمد أحمد السبكى منتج فني، وكريم السبكي مخرج العمل، الذي بلغ نضجا كبيرا وتمكن من أدواته.

وأهم ما يميز تلك التجربة هو توقيع الجميلة المخضرمة يسرا، وهي تكتب سطرًا مميزًا في تاريخها السينمائي، وتسجل رقمًا قياسيًا غير مسبوقًا كبطلة سينمائية تتصدر أفيش أحد الأفلام الجماهيرية، لحوالي 50 عامًا منذ أول ظهور لها على أفيش سينمائي عام 1977، إلى الآن، وهو رقم قياسي لم تحققه ممثلة حول العالم، فهي عبقرية الاختيار من السبكي ويسرا على السواء.

يسرا ليست مجرد شريك في فيلم، إنها البطلة الأولى رغم وجود أكثر من بطولة نسائية، ذلك لأن لديها من الموهبة والمهارة والكاريزما، التي حولت مساحتها إلى محور الأحداث،   ساعدها في ذلك رسم الشخصية وأدواتها كممثلة في أحد أدوار الشر التي تظهر فيها إمكانيات التمثيل من تدرج الصوت ولغة العين، تعبيرات الوجه، والخبرة في استخدام تلك الأدوات بإيقاعٍ متزن بدون مبالغات، أو افتعال، ذلك لأنها يسرا.

شقو ليس مجرد فيلمًا تجاريًا للبطل الشعبي، بل ستندهش أنك أمام عمل سينمائي منضبط إلى حدٍ كبير، وجبة سينمائية متكاملة من  تمثيل وإخراج وتصوير ومونتاج وإنتاج.

مباراة تمثيلية ماهرة بين أمينة خليل التي تخوض واحدة من أهم مغامراتها التمثيلية بأدوات مختلفة، ومفردات جريئة للشخصية، وقد ربحت الرهان، ودينا الشربيني التي تثبت في كل تجربة أنها ممثلة متمكنة، لديها أدوات خاصة، مدهشة في كل التفاصيل، ومحمد ممدوح ذلك الممثل البسيط الصعب، الذي تحب كل ما يقدمه.

أما عمرو يوسف فإن البراعة التي ظهر عليها، هي نتاج مجهود وتطوير لموهبته على مدار 16 عامًا أفرزت أحد أفضل نجوم الحركة على الساحة حاليًا، ليس مجردًا بل ممزوجًا بإحساس الممثل المتمكن، لتلك التجربة التي إعادة  صناعة عمرو يوسف، كنجم صف أول.
في فيلم شقوا ستجد الوجبة التي ترضي المشاهد، ستبكي وتضحك وتستمتع بمشاعر ودراما وتمثيل متقن ومشاهد حركة مقنعة ومريحة بصريًا.
هنا نقف عند دور مدير التصوير والمونتير في تقديم مشاهد حركة بإيقاع بسيط مشاهد بسيطة غير مركبة تكوينات بصرية غير مجهدة اعتمد على اللقطات الواسعة، مع قطع سلس بدون "فذلكة" أو اقحام تقنيات للاستعراض.

خلف إدارة كل هذه الأدوات، يقف مخرج بلغ درجة كبيرة من النضوج وأصبح متمكن من ادواته، أخرج كريم السبكي العمل ببساطة، وسلاسة، دون تعقيد، إفراط  في مشاهد مركبة، أو رغبة في الابهار على حساب إيقاع العمل.

المخرج كريم السبكي أجاد إدارة الممثلين، وحافظ على إيقاع التمثيل دون أن يفلت أحد بافتعال أو مبالغات، وأدار مشاهد الحركة بواقعية، ومتعة في ذات الوقت، في هذا العمل عاد كريم السبكي لإيقاع السينما المصرية البسيط العميق، السهل الممتنع، دون تكوينات مستوردة شاذة عن واقعنا، أو مشاهد مقززة، كريم السبكي فيلم “شقو” بإيقاع متزن ورشيق، عبر فيه عن مخرج له شخصية ونعمة خاصة.

search