منحة الـ400 جنيه.. سلع تموينية رديئة و"إتاوات" بالمخازن تبتلع مليارات الدعم
صرف السلع التموينية ضمن منحة 400 جنيه
في ساعة متأخرة من الليل، تحوّل السكون في منزل "محمود صبحي" بشبرا الخيمة إلى حالة من الهلع، لم يكن السبب وجود لص تسلل إلى البيت، بل قطعة حلوى صغيرة كانت في يد طفلته.
انتفض الأب مذعورًا لينتزع "الحلاوة الطحينية" من فم الصغيرة بعد أن لمح تاريخ الصلاحية المطبوع بوضوح على العبوة، لقد انتهت صلاحيتها!.. كانت هذه الحلوى جزءًا من "المنحة الاستثنائية" التي تسلمها قبل ساعات، ليدرك الرجل أن ما قدم له كطوق نجاة من الغلاء، كاد يتحول إلى وجبة مسمومة لابنته.

هذا المشهد في بيت "محمود" ليس لقطة سينمائية عابرة، بل حقيقة يعيشها ملايين المصريين المستحقين لمنحة الـ400 جنيه، التي أقرتها الحكومة بإجمالي 8 مليارات جنيه للمستفيدين من البطاقات التموينية كنوع من الدعم الاستثنائي خلال شهري مارس الجاري وأبريل المقبل.
لكن في الوقت الذي تضخ الدولة مليارات الجنيهات لتخفيف الأعباء عن المواطنين من مستحقي الدعم، تتحوّل هذه الأموال عبر مسارات التوزيع الملتوية إلى إجبار للمستفيدين على أنواع معينة من السلع بعضها مجهول المصدر.
"شنطة" الإجبار.. خذها أو ارحل
في منطقة فيصل بالجيزة، وقفت "نغم الترسي" عاجزة أمام بقال التموين، كانت تريد اختيار ما يحتاجه بيتها، لكنها اصطدمت بعبارة حاسمة: "الشنط متجهزة كدا.. لو مش عاجبك ماتخديش".
تقول نغم بنبرة يملؤها القهر إنها أجبرت على استلام 4 زجاجات زيت و3 كيلو سكر، مضافة إليها سلع لا تحتاجها مثل "الجيلي" ورقائق البطاطس، وحين حاولت المراجعة اكتشفت أن إجمالي المبلغ المحتسب للسلع التي حصلت عليها يفوق قيمتها بالسعر الحر، فالزيت حُسب عليها بـ60 جنيهًا، والسكر بـ35، ولم ينتهِ الأمر هنا، بل انتزع البقال 20 جنيهًا إضافية تحت مسمى "ضرب البطاقة".

هذه الحال لا تقتصر على القاهرة والجيزة فقط، قد رصدنا السيناريو ذاته في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة مع "هند سعيد"، التي تسلمت سلعًا "مجهولة المصدر" - على حد وصفها - من جبن ومكرونة بأوزان ناقصة (300 جرام للكيس)، ومساحيق غسيل لا تحمل اسمًا معروفًا.
وفي المنوفية والدقهلية أيضًا، أجمعت شهادات "دعاء" و"أم فادي" وآخرين على أن لغة "الإجبار" هي السائدة، وأن البديل عن القبول بالسلع الرديئة هو التهديد بـ"سقوط السيستم" أو العودة بخُفي حنين.
ويتكرر الوضع في مناطق عديدة بمحافظات مختلفة، حيث يجبر بقالو التموين ومنافذ جمعيتي المواطنين على الحصول على أنواع معينة من السلع لصرفها داخل المنحة.

لم تجد أم محمد أمامها إلا أحد بقالي التموين الذى يقوم بصرف مبالغ مالية مقابل ضرب البطاقة وتأكيد صرف المنحة مقابل 320 جنيهًا بدلًا من 400 جنيه.
تقول أم محمد: عاوزة اشتري السلع اللي محتاجاها فعليًا وبالجودة اللي أنا عاوزاها، روحت لمنفذ التموين قال لي الشنطة جاية لي كدا.. فتحتها لقيت فيها صابون وشاي.

مافيا "الشاي والإكراميات" في المخازن
إذا كان المواطن يرى بقال التموين "جلادًا"، فإن البقالين أنفسهم يروون رواية أخرى تكشف عن فساد أعمق في عظام منظومة التوزيع بالمخازن.
عمرو ربيع، تاجر تموين من أسيوط، قرّر كسر حاجز الصمت، حيث يؤكد أن ما يتسلمه من الشركة المسؤولة (المخازن) يتم بشكل إجباري: "يفرضون عليّ دفع 6 جنيهات زيادة على كل كيلو أرز، ليصبح سعره 30 جنيهًا، فكيف أبيعه للمواطن بالسعر الرسمي؟ وحين رفضت، أجبروني على استلام حلاوة طحينية ومساحيق غسيل رديئة لا يقبلها الناس".
ويفجر عمرو مفاجأة من العيار الثقيل حول رحلة الحصول على البضاعة، مشيرًا إلى أن الأمر لا يسير وفق القانون بل بنظام "الإكراميات".
ويشرح ذلك قائلًا: يضطر التاجر لدفع رشوة (فلوس شاي) للفني الذي يكتب الفاتورة (50 جنيهًا)، وللمسؤول عن الجرد (جنيه عن كل كرتونة)، وعمال التحميل (300 جنيه)، ناهيك بتكاليف النقل.. وهذه الإتاوات يضطر التاجر لتحميلها في النهاية على المواطن البسيط، سواء برفع السعر أو تقليل الكمية.

آسيا أبو بكر، تاجرة من محافظة كفر الشيخ، أشارت إلى أزمة "نسبة الـ30%" التي حددتها الوزارة كحد أقصى لصرف السلع للتاجر أو بقال التموين من قيمة التأمين، تقف عائقًا أمام توفير السلع للمواطنين.
وأوضحت: "أنفق 200 جنيه مواصلات للذهاب للمخزن من أجل بضاعة لـ8 بطاقات فقط، وفي النهاية قد أعود بلا أي شيء بحجة سقوط السيستم"، وتتساءل: "كيف أوفر للمواطن شاي العروسة أو زيتًا فاخرًا والوزارة لا تورد لي سوى أنواع محددة؟ أنا لا أملك خيارًا، والمواطن يصب غضبه عليّ".
إنكار رسمي
على الضفة الأخرى، يبدو المسؤولون كأنهم يتحدثون عن واقع آخر. مدير مديرية التموين بالقاهرة، عبدالباسط عبدالمنعم، نفى بشدة وجود إجبار على سلع معينة مؤكدًا لـ"تليجراف مصر" أن المواطن له الحق في الاختيار من بين 34 سلعة.
بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك بتصريح لافت: "السلع التي نصرفها هي أعلى جودة في السوق"، وهو تصريح يتناقض كليًا مع الصور التي حصلنا عليها لمنتجات مجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية، وهو ما يصر عليه رئيس الشركة المصرية للصناعات الغذائية بأسيوط، تامر عبدالمنعم، مؤكدًا أن سلع ومنتجات الشركة ذات جودة عالية، وجميعها من شركات قطاع عام، ومن المستحيل أن تتواجد سلع تموينية مجهولة المصدر.

يواصل عبدالمنعم: "لا توجد سلع مجهولة المصدر، فالشركة القابضة لا تتعاقد مع أي مستورد أو قطاع خاص إلا بعد تطبيق قواعد صارمة، على سبيل المثال الزيوت جميعها من شركات مثل إسكندرية للزيوت والمستخلصة للزيوت والنيل للزيوت وطنطا ومصنع النيل، ومصنع أبو قرقاص وأغلبها شركات قطاع عام.
لفت إلى أن السلع الموجودة داخل منحة الحكومة الأخيرة ذات جودة مرتفعة عن سلع التموين، غير أن بعض التجار يقوم بتسلم السلع من المنافذ الحكومية واستبدالها بأخرى.
وفيما يتحدث بعض التجار عن نقص سلع بعينها كالأرز ضمن منحة الـ400 جنيه، نفى رئيس الشركة المصرية للصناعات الغذائية بأسيوط وجود نقص، وقال: “أنا مش شايف إن فيه نقص في سلع، أنا عندي زيت وسكر وأرز.. كله متوفر”.

وفي الوقت الذي يعد جهاز حماية المستهلك الجهة المسؤولة عن تلقي الشكاوى من المواطنين حال تعرضهم لأي عمليات غش تجاري، قال رئيس الجهاز، إبراهيم السجيني، أن الجهاز "ليس جهة اختصاص فيما يتعلق بالسلع التموينية" وأن الأمر بيد وزارة التموين.
من جانبها، أتاحت وزارة التموين عدة قنوات رسمية للمواطنين لتقديم الشكاوى المتعلقة بالبطاقات التموينية أو نقص السلع أو تلاعب بعض التجار، من بينها الاتصال بالخط الساخن 16528، أو تقديم شكوى عبر بوابة الشكاوى الحكومية الموحدة، أو التوجه إلى مديريات ومكاتب التموين المختصة، إضافة إلى تسجيل البلاغات عبر موقع “دعم مصر” الإلكتروني، حيث تتولى الجهات المختصة فحص الشكاوى واتخاذ الإجراءات القانونية حال ثبوت المخالفة.
فجوة المليارات الثمانية
الخبير الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي يشرح "أصل الداء"، حيث يرى أن ما يحدث نتيجة طبيعية لما أسماه "فجوة التنفيذ"، فالحكومة تعلن دعم (400 جنيه)، لكنها لا تغطي التكاليف الحقيقية لوصول هذا الدعم (نقل، تخزين، هامش ربح).
ويضيف الإدريسي: "القانون الاقتصادي لا يحابي أحدًا، أي تكلفة إضافية تفرض على التاجر ستنتقل حتمًا للمستهلك في صورة سلع أقل جودة أو كميات منقوصة. نحن أمام 8 مليارات جنيه خصصتها الدولة لـ10 ملايين بطاقة، لكن جزءًا كبيرًا من هذا المبلغ يتسرب في قنوات الفساد الإداري وسوء التوزيع قبل أن يصل للمواطن".

كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شدد خلال مؤتمر صحفي عقد بمقر الحكومة في العاصمة الجديدة، على أن الحكومة لن تتهاون مع أي تجاوزات في منظومة توزيع السلع.
وأوضح أن الجهات المعنية بدأت بالفعل تنفيذ توجيهات رئاسية صارمة بمواجهة أي تلاعب في الأسواق، وأن العقوبات قد تصل إلى الإحالة للنيابة العسكرية حال ثبوت استغلال الدعم أو تحقيق أرباح غير مشروعة.
اقرأ أيضًا:
آخر موعد لصرف منحة التموين 2026.. التفاصيل الكاملة للمستفيدين
الأكثر قراءة
-
إجازة عيد الفطر كم يوم 2026؟ مواعيد العطلة الرسمية
-
تشرد العوضي وابتزاز ميادة، مشاهدة مسلسل علي كلاي الحلقه 23
-
أسعار كحك ايتوال 2026 .. قائمة بجميع الأصناف
-
تزوجت سرًا من حارس شهير.. من هي البلوجر رنا أحمد؟
-
داخل "شوال" بالصحراء.. العثور على جثمان الصبي المتغيب بالشرقية
-
موعد وقفة العيد الصغير 2026، وأيام الإجازة الرسمية في مصر
-
منحة الـ400 جنيه.. سلع تموينية رديئة و"إتاوات" بالمخازن تبتلع مليارات الدعم
-
تفاصيل إجازة عيد الفطر 2026 في مصر.. قرار رسمي بعدد أيام العطلة
أخبار ذات صلة
أبناء ترامب يلعبون بالنار.. حين تتحول الحروب إلى أكبر بيزنس في العالم
12 مارس 2026 01:15 م
مليون دولار كل دقيقة، ترامب بين مطرقة ميزانية الدفاع وسندان الحرب ضد إيران
11 مارس 2026 07:36 م
"جوكر عميد الأندية الإماراتية".. عمر فودة مايسترو خط وسط منتخب مصر 2009
11 مارس 2026 05:41 م
الحل في الدمج.. الاقتصاد الرقمي غير الرسمي خطر على التاجر والمستهلك
11 مارس 2026 02:49 م
أكثر الكلمات انتشاراً