الإثنين، 04 مايو 2026

05:44 ص

صيادو الرحى في الإسكندرية: نحتاج صحة وصبرا.. ومن يمرض يجوع

صياد الرحى

صياد الرحى

على امتداد الشاطئ، تجد "الصياد الواقف" كما يسميه أهل الإسكندرية، بثيابه المبللة ووجهه الذي خطته الشمس والملح، يدخل البحر خطوة بخطوة حتى يصل إلى العمق المناسب، يحمل على كتفه شبكة “الرحى” الدائرية، خفيفة في يده وثقيلة في معانيها، يرفعها عاليا، ثم يرميها في الهواء لتفتح كزهرة بيضاء فوق صفحة الماء، قبل أن تهبط بثقل الرصاص المربوط بأطرافها لتغلق على رزقه.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.05.03 PM (2)
WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.05.03 PM (2)

لا يملك الصياد مركبا ولا محركا، فقط قدماه اللتان تعرفان طريق الموج، وذراعاه اللتان تحفظان حركة الرمي كرقصة قديمة موروثة من الأجداد، يقضي يومه كله ذهابا وإيابا داخل البحر، يخرج بالشبكة محملة أحيانا وأحيانا خالية، لكنه لا يتوقف.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.04.54 PM (1)
يقول السيد سعد، أحد الصيادين الذين يمتهنون هذه الطريقة منذ أكثر من 20 عامًا: "أنا ورثت الصيد هذا من أبي، والذي ورثه عن جدي، كنا ندخل البحر من قبل الشروق، نرمي الرحى عشرات المرات، يمكن الشبكة تعود لنا بوجبة يوم، ويمكن تعود خالية، ولكن لا نستطيع أن نفعل غير هذا، فالبحر هو رزقنا الوحيد”.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.04.59 PM (2)
وأضاف وهو يعلق الشبكة على كتفه: “الموضوع متعب جدا، نحن نقف في المياه بالساعات، في البرد والحر، والموج يرتطم  في أجسادنا كأنه يختبر صبرنا، والبحر يعرفنا جيدا كما نعرفه، ويعرف أنه لو مرض واحد فينا فلن يكون له مصدر دخل، فلا معاش ولا راتب ولا تأمين لنا، نحن نسعى على رزقنا على باب الله، حتى يأتي جيل بعد منا يتسلم الراية ويتولى المسؤولية.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.05.01 PM (2)
 


وعن صعوبة المهنة، يقول سعد: “الرحى محتاجة ذراع قوي ونفس طويل، أسحبها بيدي والرصاص يسحبك للأسفل، أحيانا الشبكة تعلق في حجر، أو في عشب أو في طحالب، وأحيانا تعود بسمك قليل لا يسد مصاريف اليوم، ولكن نرضى لأن البحر دائما يعوضنا”.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.04.59 PM (1)
 


بينما يضيف زميله الصياد عم رمضان، وهو يجلس على الشاطئ يصلح خيوط الشبكة: “نحن صيادون الرحى لا نملك رفاهية القوارب، كل واحد فينا رزقه بقدمه، ندخل البحر حفاة كأننا نرجع لرحم أمنا الأولى البحر ومن يعود بشبكى مليء يشكر الله، ومن يعود بشبكة فارغة يسأل الله الزيادة”.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.04.59 PM (2)
وبعد رحلات طويلة ذهابا وإيابا، من الفجر وساعات الصباح الأولى يوميا حتى الظهر، يتجمع المواطنون على الشواطئ التي يقف عليها الصيادون، ويبدأن بشراء ما استطاعوا من جمعه طيلة النهار، ومنهم من يشتري بالكيلو، ومنهم من يشتري بالطاولة، ومنهم من يشتري بالشبكة.

WhatsApp Image 2026-05-02 at 4.05.04 PM (1)
وتتميز أسماك الصيد بالرحى، أنها تكون طازجة، لم يتم تجميدها أو تبريدها من البحر، للمستهلك مباشرة، وقد يرتفع سعرها أحيانا، خاصة أن الصيادين لا يبيعون نوعا واحدا في المرة، فكل صياد على حسب ما جاد به البحر له في كل شبكة.

ومع كل غروب، يعود الرجال بخطوات بطيئة، تحملها الرياح المبللة برائحة الملح، يلقون نظرة أخيرة على البحر قبل أن يغادروا، كمن يودع صديقا على وعد بلقاء جديد في الصباح، فالبحر ليس عملًا لهؤلاء الرجال، بل حياة كاملة تبدأ حين يغمسون أقدامهم في الماء، وتنتهي فقط حين يعجزون عن الوقوف فيه.

search