الإثنين، 04 مايو 2026

05:27 ص

"الطيبات".. حين يتحول الطعام إلى وصفة للموت تحت ستار الطب البديل

صورة تم تصميمها بواسطة الذكاء الاصطناعي

صورة تم تصميمها بواسطة الذكاء الاصطناعي

في عصر يشهد قفزات علمية غير مسبوقة في مجال الطب والعلاجات الجينية والدقيقة، لا تزال هناك مساحة مظلمة يتسلل منها "باعة الوهم"، مستغلين يأس بعض المرضى ورغبتهم في الشفاء السريع، برز مؤخرًا نظام غذائي أُطلق عليه اسم "الطيبات"، ابتكره الطبيب ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة (سابقًا)، ليكون محورًا لجدل طبي ومجتمعي غير مسبوق.

النظام الذي يروج لنفسه كبديل سحري يشفي من الأمراض المستعصية كالسكري والفشل الكلوي وأمراض القلب وحتى السرطان بالطعام فقط مع شرط كارثي: “إيقاف الأدوية الطبية تمامًا”، لم يكن في حقيقته سوى طريق سريع لغرف العناية المركزة والمقابر لبعض من اتبعوه.

87
الطبيب ضياء العوضي

هذا التحقيق يفتح الملف الأسود لنظام "الطيبات"، ويتتبع القصص المأساوية لضحاياه، ويرصد التحركات الحاسمة من المؤسسات الطبية والرقابية المصرية لردع هذا الخطر الذي يهدد الصحة العامة.

ضحايا "الطيبات".. حين تكون الأرواح الثمن 

خلف شاشات الهواتف واللايكات والمشاهدات المليونية، كانت هناك أرواح تزهق، ومرضى تزداد معاناتهم.. نظام "الطيبات" الذي منع أطعمة أساسية وحث على تناول كميات هائلة من السكريات والدهون، والأخطر من ذلك (إيقاف الأدوية)، ترك خلفه طابورًا من الضحايا.

 الطبيبة التي قتلها الوهم

الدكتورة شيماء البديوي، إحدى أبرز ضحايا هذا النظام، كانت تعاني من مرض "الذئبة الحمراء" (مرض مناعي ذاتي) منذ عام 2018، ووفقًا لشهادة زوجها، الدكتور محمود البريدي، كانت حالتها مستقرة تمامًا بفضل أدوية الكورتيزون ومثبطات المناعة.

Screenshot 2026-05-03 185104
الدكتورة شيماء البديوي

في مايو 2025، وقعت الطبيبة في فخ فيديوهات "الطيبات"، واقتنعت أنه البديل السحري، لتتخذ القرار القاتل بإيقاف أدويتها، ثلاثة أشهر فقط كانت كافية لتدمير جسدها ففي أغسطس 2025، فارقت الحياة إثر نزيف حاد لم تفلح جهود الأطباء في إيقافه، يقف الزوج اليوم، ومرارة الفقد تعتصر قلبه، مناشدًا المجتمع: "أرجوكم.. محدش يوقف الدواء"،مؤكدًا أن شكواه الرسمية كانت شرارة التحقيق التي أطاحت بالعوضي.

من القصور إلى الفشل الكلوي التام

مأساة أخرى طغت على السطح، بطلتها سيدة مسنة كانت تعاني من قصور كلوي ومشاكل بالقلب، لكنها كانت تعيش حياة شبه طبيعية بفضل الأدوية، وبنصيحة من مقربين، لجأت لنظام "الطيبات" وتوقفت كليًا عن أدويتها.

تدهورت حالتها سريعًا خلال شهر واحد، وعندما تواصل نجلها مع "العوضي" للاستغاثة، جاء الرد صادمًا: "أخطأتِ في الطعام"، وعندما أكدوا التزامها التام باستثناء تناولها "طبق كوسة"، كان الرد الكارثي: "الكوسة ممنوعة تمامًا"، النتيجة؟ نُقلت السيدة إلى مستشفى الزراعيين بعد أن تدمرت كليتيها تمامًا، لتصبح أسيرة لغسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًا مدى الحياة.

2766709_0
 الفنان سيد الطيب

حتى المشاهير لم يسلموا من الفخ؛ حيث روى الفنان سيد الطيب تجربته المريرة، مؤكدًا أنه اتبع النظام أملًا في إنقاص الوزن، فكانت النتيجة زيادة مفرطة في الوزن وتدهورًا حادًا في ضغط الدم، ليخرج محذرًا الجمهور من الانسياق خلف أنظمة غير خاضعة للإشراف الطبي.

أطفال في مرمى الخطر.. والنيابة تتدخل

لم يتوقف خطر النظام عند البالغين، بل امتد للأطفال ففي واقعة مفزعة، بعدما رصد المجلس القومي للطفولة والأمومة منشوراً لأم تعلن فيه إيقاف إعطاء عقار الإنسولين الحيوي لنجلها المصاب بـ (السكري من النوع الأول) وهو مرض يعتمد فيه بقاء المريض على قيد الحياة على الإنسولين الخارجي مستبدلة إياه بنظام "الطيبات" لمدة ثلاث سنوات.

المجلس القومي
 المجلس القومي للطفولة والأمومة

تحرك المجلس فورًا، وأبلغ النيابة العامة لاتخاذ إجراءات قانونية عاجلة ومتابعة حالة الطفل صحيًا، لإنقاذه من تدهور كان سيودي بحياته حتمًا.

جدل "الشفاء من السرطان".. وتفنيد طبي حاسم

من بين القصص التي استخدمت كأداة ترويجية قوية لنظام "الطيبات"، قصة "شيماء النقيب" التي ادعت عبر منصات التواصل أن النظام شفاها من السرطان، سردت شيماء أنها شُخصت بالسرطان مع انتشار للغدد الليمفاوية في يوليو 2025، وأنها رفضت الجراحة والعلاج الإشعاعي، واكتفت بثلاث جرعات "كيماوي" فقط، معتمدة على "الطيبات"، لتحصل بعدها على تقرير باختفاء الورم.

Screenshot 2026-05-03 185745
شيماء النقيب

لكن سرعان ما انهارت هذه الرواية أمام شهادة الأطباء المعالجين الذين ذكرتهم "النقيب" في منشورها ومن بينهم الدكتور محمد الدمنهوري، الذي زُج باسمه في القصة، والذي كشف عبر صفحته على فيسبوك الحقيقة كاملة، وأوضح أن المريضة بالفعل رفضت الجراحة في البداية، لكنها خضعت لكورس كامل من العلاج "الكيماوي"، تلاه علاج "إشعاعي" صارم وفقاً لبروتوكولات وزارة الصحة والتوصيات العالمية.

وأكد الدمنهوري أن اختفاء الورم كان بفضل الخطة الطبية المعتمدة والتزامها بمواعيد الجرعات، نافيًا بشكل قاطع أي دور لنظام "الطيبات" في الشفاء.

الدكتور محمد الدمنهوري
 الدكتور محمد الدمنهوري

وأضاف قاعدة طبية حاسمة: "التغذية العلاجية هي مجرد عامل مساعد، لدعم مناعة الجسم وتقليل الآثار الجانبية للأدوية، لكنها من المستحيل أن تكون بديلاً عن العلاج الأساسي".

جريمة طبية

في تحليل علمي لخطورة مثل هذه الأنظمة، تفند الدكتورة فردوس الأفندي، أخصائية التغذية العلاجية، الأكاذيب المروجة، حيث توضح أن تقييد شرب الماء (كما ينصح الطيبات حتى يصل المريض لمرحلة العطش الشديد) هو جريمة طبية، حيث يؤدي الجفاف لزيادة لزوجة الدم، ما يرفع خطر الإصابة بالجلطات المميتة.

فردوس الافندي 222
 أخصائية التغذية العلاجية، الدكتورة فردوس الأفندي

وتؤكد الأفندي أن "أي نظام يلغي مجموعات غذائية كاملة يعرض الجسم لنقص غذائي حاد، وفكرة أن نظام واحد يعالج كل الأمراض هي فكرة خيالية؛ فالأمان الحقيقي يكمن في الأنظمة المبنية على العلم والتوازن الشخصي الذي يشمل الماء، الخضروات، الفواكه، والبروتينات".

"سقوط القناع" جامعة عين شمس تفصل.. والنقابة تشطب

لم يكن المجتمع الطبي ليقف مكتوف الأيدي أمام ما وصف بـ "العبث بأرواح المرضى"، البداية كانت من جامعة عين شمس، المؤسسة الأكاديمية العريقة، التي أنهت خدمة الدكتور ضياء العوضي وتم فصله رسميًا منذ أكثر من عامين، جاء القرار بعد تحويله لمجلس تأديبي إثر ثبوت ترويجه لآراء طبية ليس لها أي سند علمي، لتتبرأ الجامعة من أي صلة تربطها به.

Screenshot 2026-05-03 190621
جامعة عين شمس

الضربة القاضية جاءت في مارس الماضي، عندما أصدرت الهيئة التأديبية الابتدائية بنقابة أطباء مصر قرارًا تاريخيًا بإسقاط عضوية "العوضي" وشطبه نهائيًا من سجلات الأطباء.

واستندت النقابة في قرارها إلى اتهامات صريحة بنشر آراء مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تخالف قواعد الممارسة الطبية المحلية والعالمية، والأخطر من ذلك؛ تدخله في تخصصات لا يمتلك فيها أي تأهيل علمي كالسكري، الكلى، الأورام، والقلب.

نقاببببببة
نقابة الأطباء

وأكدت الهيئة في حيثيات قرارها أن "الخطاب الجازم" للعوضي في قضايا طبية شديدة التعقيد يخالف أبسط مبادئ "الطب المبني على الدليل" (Evidence-Based Medicine).

وسردت النقابة أمثلة موثقة على مخالفاته، منها: التقليل المتعمد من مخاطر ارتفاع السكر في الدم، التشكيك في المؤشرات التشخيصية المعتمدة عالمياً، والترويج لعلاجات غير معتمدة تدفع المرضى لإيقاف أدويتهم الحيوية، ما يشكل خطرًا داهمًا على الأمن الصحي للمجتمع.

لم تكتف النقابة بالشطب، بل خاطبت رسميًا وزارة الصحة، وهيئة الدواء، ووزارة الاتصالات، وناشدت المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لحجب محتواه المضلل وتشديد الرقابة لحماية ثقة المجتمع في المنظومة الصحية.

العوضي يسخر بعد شطب عضويته

في رد فعل أثار استهجان الأوساط الطبية، خرج ضياء العوضي عبر بث مباشر على منصة "فيسبوك" عقب شطب عضويته، بتصريحات يملؤها السخرية والتحدي، متجاهلًا خطورة الاتهامات الموجهة إليه.

Screenshot 2026-05-03 190903
الدكتور ضياء العوضي

وقال العوضي ساخرًا: "مش عارف سحبوا العضوية عشان آخر قسط مدفعتوش ولا عشان اتأخرت في التجديد.. يمكن عشان بشرب سجاير، لكن أنا خلاص مش ورايا حاجة، بقيت حر"، وتمادى في تحدي المنظومة الطبية قائلًا: "هخلي الدكاترة كلها تكشف ببلاش، سواء بتوع غسيل الكلى أو السكر أو الضغط أو القلب". 

واختتم حديثه بعبارة مثيرة للجدل: "أنا مش بخفف حد، ربنا خلقك صاغ سليم وهو يشفيك، أنا مش المسيح الدجال أنا أخوه!".

الحجب الرقمي يقطع طريق تجارة آلام المرضى

ظاهرة "العوضي" ليست الوحيدة في سوق "التجارة بآلام المرضى" فهناك العشرات من الأطباء الذين انزلقوا في نفس النفق في أوقات متباعدة، عبر الترويج للعلاج بالأعشاب أو الطب البديل، لكن ما تسبب في تصدر " العوضي" المشهد هو تداول فيديوهاته بشكل واسع عبر صفحات محلية وعربية واسعة الانتشار، ما دفع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لحجب المحتوى الخاص به وملاحقة مروجي نظام الطيبات على خلفية تحركات حكومية من وزارة الصحة ونقابة الأطباء حرصًا على المرضى.

وترى أستاذة الإعلام الرقمي، الدكتورة سارة فوزي، أن قرار المجلس الأعلى للإعلام بفرض الحجب الرقمي لنظام الطيبات، يُعد وقفًا  للمتاجرة بآلام المرضى، موضحة أن المشكلة تكمن في وقوع كثير من المواطنين، خاصة كبار السن، ضحايا للوصفات الطبية المغلوطة. 

سارة فوزي
أستاذة الإعلام الرقمي، الدكتورة سارة فوزي

وأوضحت أن نظام "العوضي" انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم يعد الاستثناء مع ارتفاع معدلات التفاعل الرقمي التي فتحت أبوابًا لمحتوى الطب البديل والعلاج بالأعشاب عبر إعلانات قنوات تلفزيونية مجهولة وإعلانات ممولة على جوجل و المنصات الرقمية، ما يتطلب تسليط الضوء على أضرار هذه الوصفات مجهولة المصدر، حيث أن الإعلام هو الذي يحدد ما يتابعه الجمهور، ما يجعله أداة فعالة للحد من الاستغلال وتعزيز الوعي الصحي.

وصفة جريمة مكتملة الأركان

بكلمات لا تقبل التأويل، يصف خالد منتصر، أستاذ الأمراض الجلدية والكاتب والمفكر البارز، نظام "الطيبات" بأنه "دجل وخداع منظم ومتعمد".

ويوضح منتصر في تصريحات خاصة لـ  "تليجراف مصر" أن جوهر هذا النظام المظلم ليس في الأكل الممنوع كالفراخ أو البطيخ، بل في الأمر المباشر بـ "ترك الأدوية". 

الدكتور خالد منتصر
أستاذ الأمراض الجلدية، الدكتور  خالد منتصر

ويقول: "حين تأمر مريض سكري بإيقاف الأنسولين، ومريض مناعة بإيقاف الكورتيزون، ومريض زارع كلى بإيقاف مثبطات المناعة، بل ومريض سرطان بإيقاف الكيماوي.. أنت هنا لا تمارس الطب، أنت ترتكب (جريمة قتل) وتعجل بموتهم".

ويحلل الدكتور منتصر الظاهرة من زاوية أعمق، مشيرًا إلى أن من يصدق هذا الهراء هو ضحية لـ "وعي جمعي فقد بوصلته"، يميل لتصديق نظريات المؤامرة الطبية ويبحث عن حلول سحرية سهلة تتجنب عناء وتكاليف الطب الحديث.
ويتساءل مستنكرًا: "هل هذا التحسن الذي يدعونه موثق بأشعة وتحاليل معملية وإحصاءات مقارنة؟ إذا كان مجرد كلام مرسل بلا دليل علمي، فهو عبث وليس علمًا".

اقرأ أيضًا: 

"الأعلى للإعلام" يحظر نشر أو تداول أي محتوى للطبيب الراحل ضياء العوضي

"لا نريد عوضي جديد".. نقيب الأطباء: منع طرح آراء علاجية غير معتمدة عبر الشاشات

زوج طبيبة يتهم ضياء العوضي بالتسبب في وفاتها: "أرجوكم كملوا علاج"

search