الأحد، 30 نوفمبر 2025

08:59 م

47 دائرة ملغاة.. فهل نقترب من الإلغاء الكامل للانتخابات؟

في لحظة ما، يشعر القارئ أن الأخبار لم تعد أخباراً، بل رسائل مشفرة عن بلد يفتش عن نفسه، وأمس، جاءت أحكام المحكمة الإدارية العليا لتضيف سطرا جديدا في قصة الانتخابات البرلمانية المصرية… لكنه ليس السطر الأخير، وربما ليس الأكثر راحة للحكومة أو الناخب أو حتى لمقاعد البرلمان نفسها.

فجأة أصبحنا أمام حكم تاريخي وهو إلغاء نتائج 28 دائرة دفعة واحدة. قبلها بأسابيع، كانت الهيئة الوطنية للانتخابات قد ألغت نتائج 19 دائرة أخرى. النتيجة 47 دائرة ملغاة من أصل 70 دائرة في المرحلة الأولى.

باللغة القانونية: أحكام واجبة النفاذ.
وباللغة السياسية: برلمان يفقد نصف شرعيته قبل أن يكتمل نصابه.
فالأرقام لا تكذب.
لكنها – كالعادة – لا تُسر أحداً.

قد يقول قائل: هذه مجرد "مشكلات انتخابية" تحدث في كل بلد؛ لكن الحقيقة أن ما جرى ليس مجرد "مخالفات"، بل سلسلة مترابطة؛ أحكام قضائية واسعة النطاق، قرارات متتابعة من الهيئة الوطنية للانتخابات، وقبلها توجيهات رئاسية ونقاش رسمي واضح حول ضرورة مراجعة ما حدث قبل أن تستقر النتائج بصورة نهائية. وعندما تتجمع هذه العناصر الثلاثة في لحظة واحدة، يصبح من الطبيعي أن يظهر السؤال الكبير: هل نحن أمام برلمان مستقر… أم أمام بناء على أرض تهتز؟

الإجابة لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة؛ فبرلمان يَدخل في أزمة قبل أن يُفتح بابه هو برلمان مشكوك فيه… بالمنطق قبل القانون. وهنا يصبح من الضروري النظر إلى التجارب الدولية التي واجهت أزمات مشابهة، لأن من يتصور أن "إلغاء الانتخابات كليا" فكرة غير موجودة في العالم يتجاهل حقائق واضحة.

فالمحكمة الدستورية في النمسا ألغت انتخابات الرئاسة بالكامل عام 2016 بسبب مشكلات إجرائية، وأعيد الاقتراع من جديد دون أن تعتبر الدولة ذلك هزيمة، بل تصحيحا. وفي كينيا عام 2017، أبطلت المحكمة العليا الانتخابات الرئاسية معتبرة أن العملية لم تفِ بالشروط الدستورية، وأُعيدت الانتخابات بعد شهرين فقط.

هذه التجارب تقول شيئاً مهماً: عندما تهتز ثقة الناس، يصبح الإلغاء إعادة بناء… لا هدما.

فالخيار الذي يفرض نفسه الآن هو الإلغاء والتأجيل لمدة عام واحد، ففي ظرف سياسي مشحون كهذا، يصبح الحديث عن "استمرار العملية كما هي" نوعاً من المكابرة الوطنية.
والبديل الأكثر عقلانية من وجهة نظري هو: 

  • إلغاء الانتخابات الحالية بالكامل.
  • تأجيل الاقتراع لمدة عام واحد.
  • تشكيل لجنة وطنية لتعديل قانون الانتخابات وقانون الأحزاب.
  • إعادة ترتيب المشهد السياسي المصري بحيث تتم الانتخابات الجديدة في بيئة أوضح وأكثر جدية.
  • عام واحد فقط… لكنه كفيل بإعادة صياغة قواعد اللعبة، لا مجرد إصلاح نتائجها.ولكن السؤال المهم الآن من يملك حق الإلغاء؟ هل رئيس الجمهورية، أم الهيئة الوطنية، أم القضاء؟
    الدستور واضح في بعض النقاط… وغامض في أخرى: رئيس الجمهورية لا يملك سلطة إلغاء الانتخابات، الهيئة الوطنية تملك إلغاء الدوائر فقط، لا العملية بأكملها. القضاء يملك إبطال النتائج، لكنه يتعامل مع طعون محددة.
    وبالتالي: نحن أمام مساحة رمادية لا يفصلها نصّ صريح، ولا يوجد شخص واحد أو جهة واحدة تستطيع أن تضغط الزر لإلغاء الانتخابات كليا.
    لكن السياسة - كما في كثير من الأحيان- تجد طريقها عبر حل دستوري مبرر أو اتفاق سياسي موسع يفتح الباب لإعادة العملية من نقطة الصفر.
    إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بعد قرارات المحكمة الإدارية العليا وفي حال تم الاتفاق على التأجيل هو: كيف تُدار السلطة التشريعية خلال فترة التأجيل المحتملة؟ فالدستور، في مادته 156، وضع قواعد واضحة: إذا لم يكن مجلس النواب قائماً، يباشر رئيس الجمهورية سلطة التشريع في حدود الضرورة، على أن تُعرض هذه التشريعات على أول مجلس نواب منتخب. أما إذا كان المجلس قائماً، فيظل يمارس اختصاصاته إلى أن تُستكمل الانتخابات.
    وبالتالي ما يهم هنا هو أن النصوص الدستورية توفر إطاراً واضحاً للتعامل مع أي فترة انتقالية، بما يضمن استمرار العمل التشريعي بطريقة منظمة ومنضبطة. وفي هذا السياق، تصبح الأولوية لضمان انتظام المؤسسات واستقرار الإجراءات، بعيداً عن أي انقسام أو ارتباك، مع التأكيد على أن كل خطوة تتخذها السلطات المعنية تهدف إلى المحافظة على النظام الدستوري وسير العملية الانتخابية بشكل سليم.
    في النهاية، ما نواجهه ليس مجرد أزمة إجراءات انتخابية، بل فرصة لتعزيز الثقة في العملية السياسية. فالثقة لا تُبنى بإعادة الفرز أو الطعون فقط، بل من خلال التأكد أن قواعد اللعبة واضحة ومستقرة منذ البداية، وأن كل خطوة في المسار الانتخابي تُدار بشفافية وتنظيم. عندما تكون التفاصيل واضحة والممارسات منتظمة، تصبح العملية أكثر مصداقية، ويُتاح للجميع متابعة ما يجري بثقة واطمئنان.
search