الإثنين، 05 يناير 2026

04:26 ص

اختطاف مادورو: فصل جديد في زمن جنون ترامب

لا أستطيع أن أتعامل مع ما يجري اليوم بوصفه خبرًا عاديًا، ولا حتى “واقعة قيد التحقق”، لأن الأخطر من صحة التفاصيل هو أن الفكرة نفسها صارت ممكنة، وممكنة إلى حد الفجاجة. أن نستيقظ على حديث واسع عن اختطاف رئيس دولة، رئيس دولة كاملة السيادة، على يد قوات أمريكية، في زمن دونالد ترامب، فهذا ليس مجرد تطور سياسي، بل إعلان صريح عن انهيار العقل الذي كان يتظاهر بإدارة العالم. نحن لا نعيش أزمة معلومات، بل نعيش أزمة جنون، وترامب هو تجسيدها الأكثر وقاحة.

دونالد ترامب لا يتصرف كرئيس دولة، بل كمالك كازينو خسر صبره، فقرر قلب الطاولة على الجميع. رجل لا يؤمن إلا بمنطق الاستعراض، ولا يفهم السلطة إلا بوصفها قدرة على الإذلال العلني، ولا يرى العالم إلا مسرحًا كبيرًا يصلح لصفقة أو تهديد أو لقطة تلفزيونية. في عالم ترامب، لا توجد سيادة، توجد “صفقة”. لا يوجد قانون دولي، توجد “قوة”. لا يوجد حلفاء أو خصوم، بل رابحون وخاسرون. ومن لا يقبل القواعد يُكسر، أو يُخطف، أو يُحوَّل إلى عبرة.

حين يُطرح اسم فنزويلا، ونيكولاس مادورو تحديدًا، في هذا السياق، لا يمكن فصل الأمر عن التاريخ الدموي للتدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ترامب لم يخترع هذا التاريخ، لكنه أعاد إخراجه بأسوأ نسخة ممكنة: بلا قفازات، بلا لغة دبلوماسية، وبلا حتى نفاق أخلاقي. الرؤساء السابقون كانوا يرتكبون الجرائم وهم يبتسمون للكاميرات ويتحدثون عن الديمقراطية، أما ترامب فيرتكبها وهو يصرخ، ويتفاخر، ويهدد علنًا، كأن الجنون صار سياسة رسمية.

ما يُقال عن اختطاف مادورو وزوجته، سواء اكتمل أو لم يكتمل، يعكس عقلية لا ترى في رؤساء الدول سوى أهداف محتملة، وهذه ليست مبالغة، هكذا فُعل في بنما، وهكذا أُهينت هايتي، وهكذا قُتل باتريس لومومبا في الكونغو، لا لأنه كان خطرًا عسكريًا، بل لأنه تجرأ على الحلم بدولة لا تُدار من الخارج، الفرق الوحيد أن ما كان يُدار قديمًا في الغرف المغلقة، يُدار اليوم على الهواء مباشرة، لأن ترامب لا يحب الظل، ولا يجيد العمل إلا تحت الأضواء.

الجنون الحقيقي هنا ليس في شخص ترامب وحده، بل في النظام الذي يسمح له بذلك، ويتعايش معه، بل ويعيد إنتاجه، أن يصبح اختطاف رئيس دولة احتمالًا سياسيًا مقبولًا للنقاش، لا صدمة تستدعي الزلزال، فهذا يعني أننا دخلنا مرحلة جديدة من التوحش الدولي. مرحلة لا يُسأل فيها: هل هذا قانوني؟ بل: هل يستطيع أحد إيقافه؟

ترامب لا يحتاج إلى قرارات من مجلس الأمن، ولا إلى غطاء قانوني، ولا إلى حلفاء مقتنعين. يكفيه أن يقرر، وأن يختبر الصمت العالمي، كل مرة يرفع فيها سقف الجنون ولا يواجه ردعًا حقيقيًا، يقتنع أكثر بأن العالم كومة من الورق المقوّى، يمكن تمزيقها بقبضة يد، وهنا يصبح الخطر مضاعفًا، لأن الجنون غير المُحاسَب يتحول إلى قاعدة، لا إلى استثناء.

فنزويلا، في هذا المشهد، ليست سوى ساحة اختبار، اختبار لردود الفعل، لا لمصير مادورو وحده، اختبار لما تبقى من فكرة الدولة، ولما تبقى من وهم النظام الدولي، وإذا مرّ هذا المشهد، أو حتى مرّ الحديث عنه، بلا محاسبة، فالسؤال لم يعد: من التالي؟ بل: هل بقي أحد خارج القائمة؟.

ما نراه اليوم ليس سياسة، بل انزلاق حرّ نحو عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بعقلية العصابات، حيث الأقوى لا يفاوض، بل يقتحم، ولا يعاقب، بل يخطف، ولا يختلف، بل يُنهي الخصم جسديًا أو رمزيًا. وفي قلب هذا الانزلاق يقف دونالد ترامب، لا كسبب وحيد، بل كأوضح علامة على أن الجنون حين يصل إلى قمة السلطة، لا يعود جنون فرد، بل خطرًا عالميًا.

اقرأ أيضًا..

"الكتاب الأبيض" عندما ترسم مصر سياسة الاتزان في زمن الاختلال

search