الإثنين، 16 فبراير 2026

06:51 م

حقوق الإنسان.. وزارة سقطت سهوًا من التشكيل الجديد!

حين يُعلن عن تشكيل حكومي جديد، تتجه الأنظار عادة إلى الأسماء؛ من خرج ومن بقي ومن صعد. لكن الأهم من الأسماء هو ما بين السطور؛ ما الذي أرادته الدولة من هذا التعديل؟، وأي رسالة أرادت أن تبعث بها إلى الداخل والخارج؟، فالحكومات لا تتغير لمجرد التغيير، بل لأن هناك أولويات تحتاج إلى دفع أقوى، وملفات تتطلب نفسًا جديدًا، وإدارة أكثر التصاقًا بتحديات اللحظة.

الحكومة الجديدة تأتي في توقيت اقتصادي وسياسي دقيق، فالضغوط المعيشية لا تخفى على أحد، وسقف التوقعات الشعبية ارتفع، والعالم من حولنا يعاد تشكيله بتحولات متسارعة، ومن ثم فإن المطلوب من الوزراء الجدد ليس فقط إدارة الملفات، بل إعادة ترتيبها، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة. الكفاءة الإدارية وحدها لم تعد كافية، بل نحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة في إطار واحد عنوانه الاستقرار القائم على الإصلاح.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز ملف حقوق الإنسان كأحد الملفات التي لم تعد ترفًا سياسيًا أو استجابة ظرفية لضغوط خارجية، بل مكونًا أساسيًا من مكونات بناء الدولة الحديثة. 

وخلال السنوات الماضية، اتخذت الدولة خطوات مهمة في هذا الاتجاه، لعل أبرزها إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2021 – 2026، التي مثلت لأول مرة إطارًا رسميًا شاملًا يتضمن محاور واضحة وجداول زمنية وإصلاحات تشريعية ومؤسسية مستهدفة. 

كما يجري الاستعداد لإطلاق النسخة الثانية 2026 – 2030، بما يعكس إدراكًا رسميًا بأن هذا الملف عملية تراكمية لا تتوقف عند حدود مرحلة بعينها.

غير أن الملاحظة الجديرة بالتوقف هي أن التشكيل الحكومي الجديد خلا من وزارة مخصصة لحقوق الإنسان وهنا يفرض السؤال نفسه بهدوء: هل سقطت وزارة حقوق الإنسان سهوًا من التشكيل الحكومي الجديد؟، أم أن هناك رؤية ترى أن إدارة هذا الملف يمكن أن تستمر في صورتها الموزعة الحالية؟، السؤال لا يحمل اتهامًا بقدر ما يعكس أهمية الملف في هذه المرحلة، خصوصًا بعد أن قطعت الدولة شوطًا معتبرًا بإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والاستعداد لنسختها الثانية، فحين يتقدم المسار الاستراتيجي خطوة إلى الأمام، يصبح منطقيًا أن يتواكب معه تطوير في البناء المؤسسي القائم على تنفيذه.

قد يرى البعض أن الملف موزع بالفعل بين جهات عدة، وأن المجلس القومي لحقوق الإنسان يقوم بدور مهم، وأن هناك لجانًا معنية داخل مجلس النواب، لكن التجربة العملية تؤكد أن تشتيت الاختصاص يضعف المتابعة ويجعل التنفيذ رهنًا بتقديرات كل جهة على حدة.

ومن هنا تبرز أهمية التفكير الجاد في إنشاء وزارة لحقوق الإنسان، لا باعتبارها عبئًا بيروقراطيًا جديدًا، بل كآلية تنسيق ومتابعة تمتلك صلاحيات واضحة وتعمل كهمزة وصل بين الجهات التنفيذية والبرلمان والمجلس القومي لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني. 

وجود كيان مؤسسي مخصص لهذا الملف من شأنه أن يضمن متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية بخطط زمنية محددة، وقياس مؤشرات الأداء بشكل دوري، والإعلان بشفافية عما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر. 

كما يمكن أن يتولى هذا الكيان إدارة ملف التوصيات المقدمة إلى مصر في المحافل الدولية، خصوصًا في إطار آلية الاستعراض الدوري الشامل، بحيث لا تبقى التوصيات حبرًا على ورق، بل تتحول إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ.

الأمر لا يتعلق فقط بصورة خارجية، وإن كانت الصورة مهمة في عالم تحكمه التقارير والمؤشرات؛فتحسين صورة مصر خارجيا لا يتم عبر حملات دعائية، بل عبر سياسات قابلة للقياس، وتشريعات متسقة، وممارسات يومية تعكس احترام الحقوق والحريات في إطار القانون. وعندما تكون هناك جهة واحدة تتحدث باسم الدولة في هذا الملف، وتقدم بيانات موثقة وتقارير دورية، فإن مصداقية الخطاب الرسمي تتعزز، وتتراجع الفجوة بين ما يقال في الخارج وما يجري في الداخل.

الحكومة الجديدة أمامها فرصة حقيقية لتكريس مقاربة مختلفة: اعتبار حقوق الإنسان جزءًا من معادلة التنمية، لا بندًا منفصلاً عنها، فالحق في العمل اللائق، والحق في التعليم الجيد، والحق في الرعاية الصحية، والحق في المحاكمة العادلة، كلها عناصر تصب في استقرار المجتمع وجاذبية الاستثمار وثقة المواطن في مؤسسات دولته. وكلما اتسعت مساحة الثقة، تقلصت مساحات الاحتقان.

لسنا أمام صراع بين الأمن والحقوق، ولا بين الاستقرار والحرية، بل أمام معادلة تحتاج إلى إدارة رشيدة توازن بين المتطلبات المختلفة دون إفراط أو تفريط. والتجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية كبرى لم تفعل ذلك إلا بوجود مؤسسات قوية، ورقابة فعالة، وإطار حقوقي واضح يحكم العلاقة بين الدولة والمواطن.

التعديل الوزاري خطوة في مسار أطول، والرهان الحقيقي ليس في عدد الحقائب أو أسماء الوزراء، بل في قدرة الحكومة على تحويل الاستراتيجيات المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، وإذا كانت الدولة قد ألزمت نفسها بخارطة طريق واضحة في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، فإن استكمال البناء المؤسسي لهذا الملف، وربما عبر وزارة متخصصة، قد يكون رسالة قوية بأن الإصلاح ليس شعارًا، بل مسارًا مستمرًا تتكامل فيه الإرادة السياسية مع الإدارة الكفؤة.

هكذا فقط يمكن أن يتحول الحديث عن الحكومة الجديدة من متابعة للأسماء إلى نقاش جاد حول السياسات. وهكذا فقط يمكن أن يصبح ملف حقوق الإنسان جزءا أصيلا من مشروع وطني أشمل، يوازن بين ضرورات اللحظة وطموحات المستقبل.

اقرأ أيضًا..

إفلاس الأمم المتحدة.. أزمة غير مسبوقة تهدد مهام المنظومة الأممية

search