الأحد، 15 فبراير 2026

12:54 ص

دقيقة شهرة... وخسارة وطن

في عصرٍ تُقاس فيه اللحظة بعدد المشاهدات، صار بعضنا يتعامل مع الكاميرا كأنها لعبة بلا عواقب، ضغطة زر واحدة قد تُرضي فضول المتابعين لثوانٍ، لكنها قد تترك أثرًا طويلًا على صورة بلدٍ بأكمله.

هنا لا نتحدث عن رأيٍ عابر أو نقدٍ مشروع، بل عن محتوى منفلت يختزل سمعة وطن عريق مثل مصر في مشاهد فوضوية أو استعراضات فردية لا تعبّر عن حقيقة المجتمع ولا عن جهوده.

السياحة، قبل أن تكون أرقامًا في تقارير، هي ثقة في بلدٍ وتجربة. هذه الثقة تُبنى عبر سنوات من العمل والاستثمار، وتنهار أحيانًا في دقائق أمام محتوى يفتقر إلى المسؤولية. 

حين يرى العالم صورة مشوشة، يتردد الزائر، وتُلغى الرحلات، وتتأثر سلاسل كاملة من الخدمات والوظائف، إن الاقتصاد لا يُدار بالانطباعات وحدها، لكنه يتأثر بها بشدة.

لقد اختارت الدولة أن تقدّم للعالم وجهًا حضاريًا يليق بتاريخها، واستثمرت موارد ضخمة في مشاريع ثقافية وسياحية كبرى، في مقدمتها المتحف المصري الكبير، ليكون نافذة تُخاطب ضمير الإنسانية، غير أن سلوكًا فرديًا غير منضبط قادر—في لحظة—على تشويش هذه الرسالة، ومنح المتربصين مادة سهلة للتضخيم والتأويل.

المسألة ليست صراعًا بين الحرية والمسؤولية؛ بل هي توازن بينهما، حرية التعبير قيمة راسخة، لكنها لا تعني حرية الإضرار بالمصلحة العامة أو تسويق صورة مضللة، فمن حق أي مواطن أن ينتقد ويكشف الخلل، لكن من واجبه أن يفعل ذلك بوعيٍ مهني وأخلاقي، لا بمنطق “الترند” الذي يساوي بين الصدمة والقيمة.

تصحيح المسار يتطلب شراكة واضحة:

فرديًا: قبل النشر، اسأل: هل أُسهم في الفهم أم في التشويه؟.

مجتمعيًا: لا تُكافئ المحتوى الفوضوي بالمشاهدة والمشاركة؛ فالترند يعيش باهتمامنا.

إعلاميًا ومؤسسيًا: دعم المحتوى المسؤول، وتوضيح الأطر القانونية والأخلاقية للنشر دون إفراط أو تفريط.

سمعة الأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بسلوك يومي يتجلى في أبسط ما ننشر ونقول، بين أن نحمي الصورة التي نبنيها بعرق السنين، أو نتركها رهينة لثوانٍ من ضجيجٍ عابر، خيارٌ يتكرر كل يوم… بأيدينا نحن.

search