الثقافة الرسمية خارج العصر.. حين تدار جوائز الدولة بلا منصة رقمية
لم تعد أزمة الثقافة في مصر قابلة للاختزال في شكاوى موسمية أو ملاحظات عابرة، بل باتت أزمة بنيوية عميقة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين الثقافة بوصفها فعلًا حيًا وبين مؤسساتها الرسمية من جهة أخرى، فالمفارقة الكبرى أن الدولة، في خطابها العام، ترفع راية التحديث وبناء الإنسان وتجديد الوعي، بينما تُدار المنظومة الثقافية بعقلية نقيضة تمامًا، عقلية تخشى الحركة، وترتاب من السؤال، وتتمسك بماضٍ لم يعد صالحًا لفهم الحاضر، فضلًا عن استشراف المستقبل.
المنظومة الثقافية الرسمية لم تعد تفكر خارج إطار الحفاظ على ذاتها، فهي مشغولة بإعادة إنتاج مواقع النفوذ لا بإنتاج المعنى، وبترتيب التحالفات لا بصياغة الرؤى، الاختيارات داخلها لا تعكس تنوع المجتمع الثقافي ولا حيويته، بل تعكس شبكة مغلقة من العلاقات المتبادلة، حيث يُعاد تدوير الأسماء ذاتها، وتُمنح المواقع لمن يضمن الاستمرارية والولاء للمنطق القديم، لا لمن يمتلك القدرة على التجديد أو الجرأة على التفكير المختلف، وبهذا المعنى، لم تعد الثقافة مجالًا مفتوحًا، بل نظامًا دفاعيًا يحمي نفسه من أي اختراق.
هذه الوجوه التي عفى عليها الزمن لا تُمسك بالمشهد لأنها الأكثر كفاءة، بل لأنها الأكثر انسجامًا مع الجمود، ولأن وجودها يضمن ألا يتغير شيء. وهنا يتحول الزمن من عامل طبيعي للتطور إلى عدو يجب تعطيله، وتتحول الأجيال الجديدة من طاقة كامنة إلى خطر محتمل. لا مكان للشباب إلا بوصفهم ديكورًا، ولا صوت للتجارب الجديدة إلا إذا كانت منزوعة الدسم، خالية من الأسئلة، مطمئنة للموروث الإداري الذي يكره المفاجآت.
المجلس الأعلى للثقافة، في هذا السياق، ليس استثناءً بل ذروة هذا الخلل، إذ يُفترض به أن يكون منصة التفكير الاستراتيجي وصانع السياسات الثقافية، فإذا به يتحول إلى مؤسسة شكلية، أقرب إلى أرشيف حيّ لخطابات قديمة منها إلى عقل فاعل، مجلس تُعقد جلساته في غياب من يفترض أنهم معنيون بها، وتصدر عنه توصيات لا تتجاوز الورق، ولا تجد طريقها إلى التنفيذ أو النقاش العام، إن غياب الحضور ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل دلالة رمزية على غياب المعنى ذاته.
الأخطر من الغياب هو منطق الإدارة الذي يحكم هذه المؤسسات، منطق يرى الثقافة من أعلى، ويُقصي المجتمع من معادلتها، تُدار الثقافة بعقلية الوصاية، وكأن الإبداع يحتاج إلى إذن، وكأن المجتمع غير مؤهل للحوار، وكأن الأسئلة يجب أن تمر عبر لجان قبل أن تُطرح. هذا المنطق لا يعزل الثقافة عن المجتمع فحسب، بل يعزل الدولة عن مجتمعها الثقافي، ويخلق فجوة صامتة لكنها عميقة، تتسع مع كل عام دون علاج.
في ظل هذا الإقصاء المنهجي، تُترك المساحات الحقيقية للإبداع خارج الإطار الرسمي، فتزدهر بعيدًا عن المؤسسة أو تموت في الهامش، بينما تظل المنظومة الرسمية مشغولة بالمهرجانات الشكلية، والفعاليات البروتوكولية، والاحتفال بنفسها أمام جمهور محدود لا يمثل إلا الدائرة ذاتها، وهكذا تفقد الثقافة الرسمية قدرتها على التأثير، وتفقد الدولة أحد أهم أدواتها الناعمة في تشكيل الوعي العام.
والمفارقة الأكثر خطورة أن هذا الفراغ لا يبقى فارغًا، فحين تنسحب الثقافة الحقيقية، تتقدم الرداءة، أو الخطابات المتطرفة، أو اللامبالاة العامة، الثقافة ليست ترفًا، بل خط دفاع أول عن المجتمع، وحين تتحول إلى نشاط بيروقراطي بلا روح، فإنها تترك المجال مفتوحًا أمام كل ما يناقض مشروع الدولة في الاستقرار والتقدم.
إن الإصرار على إدارة الثقافة بمنطق الماضي لا يمثل فقط فشلًا إداريًا، بل خطرًا استراتيجيًا، لأن الوعي لا يُبنى بالأدوات القديمة، ولا يُدار بالعقلية ذاتها التي أنتجت الأزمات. فالثقافة التي لا تتجدد تتحول إلى عبء، والمؤسسات التي تخاف التغيير تفقد مشروعيتها بالتدريج، حتى وإن استمرت شكليًا.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير اللوائح وحدها، بل بتغيير الفلسفة الحاكمة للمشهد الثقافي، فلسفة تعترف بأن المجتمع شريك لا متلق، وأن التجديد ضرورة لا ترف، وأن إدارة الثقافة ليست مكافأة نهاية خدمة، بل مسؤولية تتطلب معرفة بالزمن الذي نعيش فيه، دون هذا التحول الجذري، ستظل الثقافة الرسمية تسير خارج السياق، وخارج المجتمع، وخارج التاريخ.
وإذا كان المشهد كله يحتاج إلى دليل واحد على هذا الانفصال الفادح عن العصر، فربما يكفي هذا السؤال البسيط: كيف لمنظومة تدعي امتلاك لجان للثقافة الرقمية داخل المجلس الأعلى للثقافة، أن تعجز عن إنشاء منصة إلكترونية رسمية تتيح التقديم لجوائز الدولة؟ لا أتحدث عن منصة للإعلان الجائزة، أي منطق هذا الذي يتحدث عن التحول الرقمي بينما تُدار أهم جوائز ثقافية في البلاد بعقلية الأوراق، والملفات المغلقة، كيف يمكن الحديث عن تحديث الوعي، في حين يقصى المبدعين لأنهم لا ينتمون إلى الدائرة الضيقة التي تعرف طريق التقديم؟ إن هذه المفارقة لا تكشف فقط عن تخلف إجرائي، بل تفضح فلسفة كاملة ترى في الرقمنة شعارًا لا ممارسة، وفي الحداثة واجهة لا مضمونًا، وتؤكد أن الأزمة ليست في غياب الإمكانات، بل في غياب الإرادة الحقيقية للخروج من زمن انتهى.
الأكثر قراءة
-
"أحمد مغمى عليه"، كيف تخلصت هبة من زوجها في ليلة زفاف صديقه بالمرج؟
-
وسط صرخاتها، السلطات العراقية تعتقل 17 شخصا متورطا بواقعة تحرش ليلة رأس السنة
-
الأمن يفحص فيديو "اختطاف وتعذيب" داخل مصحة إدمان بالمنيا
-
وظائف مشروع الضبعة النووي 2026 برواتب تصل لـ14 ألف جنيه، الشروط وموعد التقديم
-
1000 بطانية وكرتونة مواد غذائية، صناع الخير تطلق قافلة لمدينة شلاتين
-
بعد ضجة مقبرة النحل بالمنوفية، العلم يرد على "الخرافات" و"لغز الـ13 ملكة"
-
نماذج امتحان دين للصف الخامس الابتدائي الترم الأول 2026
-
نماذج امتحان فرنساوي أولى ثانوي ترم أول 2025-2026
مقالات ذات صلة
حنانيك يا عاشور.. البحث عن عدالة لـ "الأستاذ الحائر"
27 ديسمبر 2025 07:00 م
غياب القدوة الأكاديمية.. حين انطفأ النور في محراب الجامعة
22 ديسمبر 2025 12:24 م
رسالة مفتوحة للأعلى للجامعات الخاصة.. إقطاعية البيه المدير؟!
15 ديسمبر 2025 12:19 م
التسويق الأكاديمي.. كيف نبنى قيمة برامجنا في العصر الرقمي؟
06 ديسمبر 2025 09:28 ص
أكثر الكلمات انتشاراً