الثلاثاء، 10 فبراير 2026

01:42 ص

رسالة مفتوحة إلى وزير الثقافة الجديد.. ركز على الأثر؟

ليست وزارة الثقافة موقعا بروتوكوليا يستكمل به التشكيل الحكومي، ولا وظيفة هامشية تدار بالحد الأدنى من الجهد أو بسلسلة تصريحات إنشائية، إنها وزارة الوعي، وحارسة الهوية، وأحد أعمدة القوة الناعمة للدولة، وخط الدفاع الأول عن العقل الجمعي في مواجهة التجهيل والتطرف والانحدار القيمي، ومن هذا المنطلق تحديدا، كان يفرض استمرار الدكتور أحمد هنو في منصب وزير الثقافة نفسه كقضية جدلية تستحق النقاش والمساءلة، لا بدافع الخصومة، بل بدافع القلق على دور وزارة يفترض أن تقود المجتمع فكريا لا أن تسير خلفه.

أول ما يصطدم به أي متابع جاد هو الفراغ الفكري الواضح الذي يخيم على أداء الوزارة، فمنذ تولي الدكتور أحمد هنو مهامه، لم يطرح مشروعا ثقافيا وطنيا متكاملا، ولم يقدم رؤية قابلة للنقاش أو حتى للاختلاف، غابت الإجابات عن أسئلة مصيرية لا يمكن لوزير ثقافة تجاهلها: ما هو الدور الحقيقي للثقافة في مواجهة الفكر المتطرف والانغلاق الفكري؟ كيف يمكن استعادة المكانة الثقافية لمصر إقليميا ودوليا؟ وأين يقف المثقف في معادلة السياسات الثقافية للدولة؟ إن غياب هذه الإجابات لا يعني فقط غموض الرؤية للوزير، بل يعني ببساطة غياب المشروع، ووزارة بلا مشروع ثقافي تتحول تلقائيا إلى إدارة بيروقراطية، لا قيادة وعي ولا صناعة تأثير.

الأخطر من ذلك أن الأداء العام للوزارة يعكس انفصالا مقلقا عن الواقع الثقافي الحقيقي، فالمشهد الثقافي يشهد تراجعا واضحا في الإنتاج الجاد، وتهميشا للمواهب الشابة، وتضييقا غير مباشر على المبدعين، في مقابل فعاليات شكلية تستهلك ميزانيات ولا تترك أثرا، تحولت الثقافة إلى مناسبات، والوزارة إلى منظم فعاليات، وغاب الدور التنويري العميق الذي يفترض أن يشكل جوهر عملها.

لا يمكن تجاهل أن الوزارة تسير بالعقلية ذاتها التي أثبتت عبر سنوات أنها لا تسير على الطريق الصحيح، نفس الأدوات المستهلكة، نفس الوجوه المتكررة، نفس الخطاب الباهت المنفصل عن الشارع، ونفس العجز المزمن عن الوصول إلى المواطن خارج الدوائر المغلقة، لم نشهد ثورة ثقافية، ولا حتى محاولة إصلاح حقيقية لقصور الثقافة، ولا دعما جادا ومستداما للمسرح، ولا مشروعا يعيد للكتاب والمبدع قيمتهما الاعتبارية، التغيير اقتصر على الاسم، أما النهج فبقي جامدا، مترددا، بلا خيال ولا طموح.

وفي ملف العلاقة مع المثقفين، يتجلى عجز واضح عن بناء حوار صحي وشراكة فكرية حقيقية، فلا منصات نقاش مفتوحة، ولا آليات استماع، ولا شعور بأن الوزارة ترى في المثقف شريكا لا عبئا، وكأن المؤسسة الثقافية تدار من برج عاجي، بعيدا عن نبض المثقفين الذين يفترض أنهم عمادها ووقودها، هذا الغياب لا يمكن تفسيره إلا بضعف في الرؤية أو خوف من النقد، وكلا الأمرين لا يليق بمن يتولى وزارة يُفترض أن تحمي حرية الفكر لا أن تتحسس منه.

ثم يأتي السؤال الحاسم الذي لا يمكن القفز فوقه:  أين الأثر؟ أين التحول الملموس؟ أين المشروع الذي يمكن للوزير أن يقف أمام الرأي العام مدافعا عنه؟، لا إنجازات نوعية، ولا مبادرات أحدثت صدى حقيقيًا، ولا سياسات ثقافية يمكن الاستشهاد بها كنقطة تحول، وفي لحظة تاريخية تتعرض فيها الهوية الوطنية لضغوط ثقافية وإعلامية هائلة، يصبح هذا الفراغ خطرا استراتيجيا، لا مجرد تقصير إداري يمكن تجاوزه.

إن الإبقاء على أي وزير ثقافة بلا رؤية واضحة، وبلا تأثير ملموس لا يمكن اعتباره حيادا أو انتظارا حسن النية، بل هو رسالة سلبية مفادها أن الثقافة آخر الأولويات، وأن إدارة الوعي يمكن أن تتم بالحد الأدنى، دون محاسبة أو طموح.

 المطالبة بتعديل الدكتور أحمد هنو وعودته إلى عمله الأصلي مشاركا بفنه لا تنطلق من عداء شخصي، ولا تنتقص من صفته الأكاديمية، بل تعبر عن موقف ثقافي مسؤول يرى أن وزارة الثقافة تحتاج إلى قيادة تمتلك مشروعا، وشجاعة فكرية، وقدرة حقيقية على الاشتباك مع أسئلة الواقع، لا الاكتفاء بإدارة روتينية لمؤسسة يفترض أن تقود الوعي لا أن تلاحقه، فالثقافة لا تحتمل التجربة، ولا تقبل الارتباك، ومن لا يملك رؤية لإنقاذها، عليه أن يفسح الطريق لمن يملكها.

search