خطة طموحة ومسؤولية مؤسسية.. جامعة القاهرة أمام اختبار الأولويات
تولي جامعة القاهرة البحث العلمي أهمية محورية بوصفه أحد الركائز الأساسية لرسالتها الأكاديمية ودورها التاريخي في إنتاج المعرفة وبناء الوعي العلمي وخدمة المجتمع، ويتجسد هذا التوجه المؤسسي بوضوح في خطة الأولويات البحثية للأعوام 2025–2030، التي تعكس وعيا متقدما بطبيعة التحولات التي يشهدها التعليم العالي، وبأن مكانة الجامعات الكبرى لم تعد تقاس فقط بتاريخها أو حجمها، بل بقدرتها على إنتاج بحث علمي رصين، مؤثر، ومتصِل بقضايا التنمية المستدامة والاحتياجات الفعلية للدولة.
تكتسب خطة الأولويات البحثية لجامعة القاهرة أهمية خاصة في المرحلة المقبلة، حيث أنها تنبع من إدراك بأن العراقة وحدها لا تكفي لاستدامة النجاح، وإذا ما نظر إليها في ضوء المؤشرات البيانية المحققة خلال العامين الأخيرين، والتي تعكس حجم الكتلة البحثية الفعلية للجامعة وقدرتها على التحول من الكم إلى التخطيط الاستراتيجي المنضبط، فقد سجلت الجامعة في عام 2022 نحو 7083 بحثًا منشورًا دوليًا وفق قاعدة بيانات Scopus، بينما بلغ العدد في عام 2024 قرابة 6981 بحثا، وهو استقرار نسبي في حجم الإنتاج العلمي يعكس قدرة مؤسسية مستمرة على النشر الدولي، ويؤكد أن الجامعة تمتلك قاعدة بحثية واسعة يمكن توجيهها بكفاءة أعلى من خلال الخطة الجديدة.
وتشير الأرقام إلى أن التحدي في المرحلة المقبلة لم يعد مرتبطا بزيادة عدد الأبحاث بقدر ما يرتبط بإعادة توجيه هذا الإنتاج الكبير نحو أولويات بحثية أكثر وضوحًا وتأثيرًا، وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للخطة، التي تسعى إلى تنظيم هذا الزخم البحثي وتوجيهه نحو مجالات ذات أولوية وطنية وعالمية، بما يضمن تعظيم العائد العلمي والمجتمعي للبحث، فوجود ما يقرب من سبعة آلاف بحث سنويًا يمثل فرصة حقيقية، إذا ما أُحسن توظيفها، لإحداث نقلة نوعية في جودة المخرجات البحثية وتأثيرها.
كما تبرز بيانات الاستشهادات العلمية أهمية هذا التوجه، إذ تجاوز عدد الاستشهادات في عام 2021 حاجز 121 ألف استشهاد، وهو ما يعكس تأثيرًا تراكميًا للإنتاج البحثي الصادر عن الجامعة، غير أن استدامة هذا التأثير تتطلب آليات أكثر دقة لاختيار موضوعات البحث، وتشجيع النشر في المجلات ذات معامل التأثير المرتفع، وهو ما تسعى الخطة إلى تحقيقه من خلال التركيز على الجودة، والأبحاث البينية، وربط النشر العلمي بأهداف التنمية المستدامة.
وتُظهر المؤشرات خلال العامين الأخيرين أيضًا تفاوتا في توزيع الإنتاج البحثي بين القطاعات المختلفة، حيث يتركز الجزء الأكبر من النشر في القطاع الطبي وقطاع العلوم الأساسية، وهو ما يفسر حرص الخطة على دعم التكامل بين التخصصات، وتوسيع قاعدة المشاركة البحثية في القطاعات الأخرى، وتكمن إيجابية التوجه في أنه لا يسعى إلى تقليص إنتاج القطاعات القوية، بل إلى رفع كفاءة بقية القطاعات للاستفادة من الزخم البحثي القائم وتحقيق قدر أكبر من التوازن المؤسسي.
وعليه، فإن أهمية الخطة في المرحلة المقبلة تنبع من كونها استجابة واقعية لمرحلة نضج بحثي تمر بها الجامعة، حيث لم يعد التحدي الأساسي هو إثبات القدرة على النشر، بل ضمان أن يكون هذا النشر منسجمًا مع رؤية واضحة، وأولويات محددة، وأثر علمي ومجتمعي قابل للقياس، ومن شأن هذا التحول أن يعزز استدامة الأداء البحثي، ويرسخ دور جامعة القاهرة كمؤسسة بحثية رائدة قادرة على توظيف إمكاناتها البشرية والعلمية بكفاءة أعلى.
ورغم هذا الإدراك الواضح، لا يمكن تجاهل حقيقة أن داخل هذا الصرح العريق يوجد بعض الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس الذين لا يرقى أداؤهم العلمي والبحثي إلى مستوى الانتماء إلى جامعة القاهرة، غير أن الصورة العامة تظل محكومة بأن الكتلة الجادة والمنتجة من الباحثين هي الغالبة، وأن الجيد، بفعل تراكمه واستمراريته، يظل قادرا على طغيان الطالح داخل أي مؤسسة كبرى.
وتؤكد خطة الأولوليات البحثية نفسها أن تطوير منظومة البحث العلمي لا يتحقق بالكم وحده، بل بترسيخ ثقافة الجودة والمساءلة والتكامل بين التخصصات، ومن ثم، فإن معالجة أوجه القصور تظل مسؤولية مباشرة للكليات ورؤساء الأقسام وأعضاء هيئة التدريس، عبر إعادة تنظيم الأولويات البحثية، وتفعيل آليات التقييم والمتابعة، وتشجيع البحث الجماعي، وربط التقدم الأكاديمي بالأداء البحثي الفعلي لا الشكلي. فنجاح الخطة مرهون بمدى جدية هذه الأطراف في تحويلها من وثيقة استراتيجية إلى ممارسة مؤسسية يومية.
تعكس خطة الأولويات البحثية لجامعة القاهرة رؤية طموحة ومتماسكة، وتوفر إطارًا واضحًا للارتقاء بالبحث العلمي، إلا أن تفعيلها الكامل يظل مرهونًا بمدى التزام الكليات والأقسام وأعضاء هيئة التدريس بأدوارهم ومسؤولياتهم الأكاديمية، فالحفاظ على مكانة جامعة القاهرة وريادتها التاريخية لا يتحقق إلا عبر أداء بحثي جاد، وانضباط مؤسسي، واستبعاد كل ما من شأنه إضعاف القيمة العلمية لهذا الصرح، ولا يسعنى في نهاية هذا المقال إلا أن أوجه التحية والشكر والتقدير للأستاذ الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، والأستاذ الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث، على جهودهما في دعم البحث العلمي ووضع إطار استراتيجي يسعى إلى تطوير منظومته والارتقاء بمكانة الجامعة بما يليق بتاريخها ودورها العلمي.
وللحديث بقية..
الأكثر قراءة
-
نقل محاميه بطائرة خاصة، تأجيل محاكمة ماضي عباس في قضية القتل بأسوان
-
توزيع درجات الصف الثاني الإعدادي 2026
-
صراع الجبابرة في أسوان، من هو ماضي عباس الذي استأجر طائرة خاصة للنجاة من الإعدام؟
-
"كده هشتغل بضمير ويوفر مرتبها"، زينة تكشف زواج أحمد عز من مساعدته الخاصة
-
والدة شيماء جمال في نص تحقيقات النيابة: "بيجيلي رسائل تهديد ومعنديش سلاح" (خاص)
-
"حتى لو تمثيل"، بلاغ رسمي ضد سيدة "فيديو المشرحة" وانتهاك حرمة الموتى
-
اللواء أيمن عبّد القادر يكتب: التجربة السويسرية في المرور
-
نتيجة الصف الثالث الإعدادي محافظة الدقهلية بالاسم 2026
مقالات ذات صلة
في قبضة أهواء المنسقين.. الوجه الخفي لأزمة البحث العلمي
18 يناير 2026 10:54 ص
"الثقافة" في عيدها.. لحظة مراجعة أم صورة تذكارية مكررة؟
07 يناير 2026 11:05 ص
الثقافة الرسمية خارج العصر.. حين تدار جوائز الدولة بلا منصة رقمية
31 ديسمبر 2025 11:29 ص
حنانيك يا عاشور.. البحث عن عدالة لـ "الأستاذ الحائر"
27 ديسمبر 2025 07:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً