من غرف التحقيق إلى ساحات المواجهة.. كيف صنعت مصر ريادتها في علوم السلوك؟
يعكس مسلسل “رأس الأفعى” صورة درامية مكثفة لمعركة تخوضها الدولة بعقل منظم قبل أن تخوضها بقوة السلاح، معركة تعتمد على المعلومات الدقيقة، والتحليل العميق، واستهداف بؤر الخطر من جذورها، ففكرة الوصول إلى الرأس وتفكيك الشبكات المعقدة ليست مجرد حبكة تشويقية، بل ترجمة لفلسفة أمنية حديثة تقوم على العلم والتخطيط طويل المدى، هذه الفلسفة لا تبنى في يوم وليلة، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، ورؤية واضحة، وإرادة سياسية تضع الأمن القومي في مقدمة الأولويات.
حينما شاهدت أولى حلقات مسلسل رأس الأفعى واستعدت مشاهده التي تجسد لحظة الوصول إلى العقل المدبر وتفكيك مركز القيادة، عاد إلى ذهني حوار أجرَيته قبل سنوات وبالتحديد عام 2020، مع الفريق الراحل كمال عامر، مدير المخابرات الحربية الأسبق ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب آنذاك، حين سألته عن دلالات القبض على محمود عزت، أكد في حديثه لي أن تلك العملية لم تكن مجرد نجاح أمني تقليدي، بل مثلت نجاحا معنويا واستراتيجيا للدولة المصرية، باعتبار أن استهداف العقل المخطط للتنظيم يعد نقطة تحول فاصلة وبداية النهاية الحقيقية لبنيته التنظيمية، وأوضح أن إسقاط القيادة المحركة لأي تنظيم متطرف يضعف قدرته على التخطيط والتنسيق، ويفقده تماسكه الداخلي، وهو ما يعكس فهما عميقًا لطبيعة المواجهة القائمة على تفكيك مراكز القرار لا الاكتفاء بملاحقة الأطراف.
والحقيقة أن الدراما المصرية أظهرت في السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في قدرتها على إعادة تقديم المشاهد المستلهمة من الواقع الأمني بروح احترافية تجمع بين التوثيق الفني والعمق العلمي، فلم تعد مشاهد المواجهة مجرد لقطات قتالية أو مطاردات مثيرة، بل أصبحت تقدم صورة متكاملة عن منظومة عمل تعتمد على التخطيط والتحليل وجمع المعلومات قبل التنفيذ، وقد برز في هذه الأعمال تصوير غرف العمليات والتحقيق باعتبارها ساحات علمية تدار فيها المعركة بالعقل بقدر ما تدار بالسلاح، وهو ما يعكس إدراكا متزايدا لأهمية العلوم السلوكية في دعم الجهد الأمني.
وفي هذا السياق، يظهر توظيف أدوات البولي جراف وتحليل السلوك داخل البناء الدرامي بوصفه امتدادا لمنهج علمي حقيقي، حيث تقدم عملية التحقيق كإجراء منظم يخضع لبروتوكولات دقيقة، لا كحوار عشوائي أو مواجهة انفعالية، إن إظهار الضابط أو المحقق وهو يستند إلى قراءة المؤشرات، أو يحلل التغيرات الدقيقة في لغة الجسد ونبرات الصوت، يعكس تطورا في الوعي الدرامي بطبيعة التحقيق الحديث القائم على التكامل بين التقنية والعنصر البشري، وهنا تتجلى بسالة رجالة القوات المسلحة المصرية والشرطة ليس فقط في لحظات الاشتباك، بل في قدرتهم على إدارة معركة المعلومات بكفاءة علمية عالية.
وفي امتداد طبيعي لهذا الإطار النظري، يمكن النظر إلى التطور الذي شهدته الدراما المصرية في تناولها للقضايا الأمنية بوصفه انعكاسا لرسوخ هذا الفهم العلمي داخل البيئة المؤسسية، فالأعمال الدرامية الحديثة لم تعد تقدم رجل الأمن باعتباره فاعلا ميدانيا فحسب، بل بوصفه متخصصا في قراءة السلوك، وتحليل الأنماط، وإدارة الحوار وفق أسس نفسية ومعرفية دقيقة، هذا التحول في الصورة الدرامية يتناغم مع التصور الأكاديمي لعلم التحقيقات باعتباره علما سلوكيا تطبيقيا يعتمد على المنهج والتخصص.
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال والبحث المتعمق في هذا المجال لم يكن دافعا نظريا فحسب، بل شغفا مهنيًا ارتبط بطبيعة عملي في التحقيقات الصحفية وإجراء الحوارات المعمقة، فالصحافة الاستقصائية، في جوهرها، تقوم على مهارة صياغة السؤال، وقراءة ما وراء الإجابة، وتحليل نبرات الصوت ولغة الجسد، واستخراج المعلومة من بين السطور دون إخلال بالمعايير المهنية، ومع مرور الوقت، أدركت أن بين العمل الصحفي وعلم التحقيقات السلوكية مساحات مشتركة واسعة، فكلاهما يعتمد على فهم النفس البشرية، وبناء الثقة، وإدارة الحوار بطريقة منهجية تكشف التناقضات وتصل إلى جوهر الحقيقة، من هنا جاء اهتمامي بهذا العلم الثري، وبأدواته مثل البولي جراف وتحليل السلوك، ليس بوصفها تقنيات أمنية فقط، بل باعتبارها امتدادا معرفيا لفن السؤال، ومنهجية البحث عن الحقيقة، والسعي الدائم إلى الوصول إلى المعلومة الدقيقة في إطار من الاحتراف والوعي العلمي.
ومن هنا تبدو مشاهد غرف التحقيق في رأس الأفعى متسقة مع ما سبق تأصيله علميا؛ إذ تتحول المواجهة إلى عملية تحليل مركبة تستخدم فيها أدوات القياس والدعم الفني، ويستحضر فيها علم النفس الجنائي إلى جانب التقنيات المساندة مثل البولي جراف، ضمن منظومة متكاملة لا تفصل بين المؤشر الفسيولوجي والدلالة السلوكية، فالمحقق، كما يقدمه العمل، لا يسعى إلى انتزاع اعتراف بقدر ما يعمل على بناء صورة معرفية شاملة، تستند إلى قراءة دقيقة للتغيرات الانفعالية، وإلى فهم عميق لبنية التنظيم محل الاستهداف.
كما أن إبراز تكامل الأدوار بين فرق التحليل، وغرف العمليات، ووحدات المواجهة الميدانية يعكس إدراكا بأن النجاح الأمني هو حصيلة عمل مؤسسي منظم، تتضافر فيه المعطيات السلوكية مع المعلومات الاستخباراتية والأدلة التقنية، وبهذا المعنى، فإن البطولة التي تظهر في المشاهد القتالية تجد جذورها في عمل علمي سابق عليها، يبدأ من جمع البيانات وتحليلها، ويمر بإدارة المقابلات وفق أسس منهجية، وصولا إلى اتخاذ القرار في ضوء تقييم شامل للمخاطر.
إن هذا التناغم بين الطرح العلمي والتمثيل الدرامي يعزز فكرة أن العلوم السلوكية، بما فيها تطبيقات البولي جراف، لم تعد هامشا في منظومة التحقيق، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء القدرات الأمنية المعاصرة، وحين تعكس الدراما هذا التطور، فإنها لا تقدم صورة فنية فحسب، بل توثق لمرحلة أصبح فيها المنهج العلمي هو الإطار الحاكم لفهم الجريمة ومواجهتها، بما يؤكد أن قوة الدولة الحديثة تستند إلى المعرفة المنظمة بقدر ما تستند إلى أدوات التنفيذ.
وفي ضوء هذا التطور العلمي والمؤسسي، يمكن التأكيد على أن مصر تعد من أوائل الدول الرائدة في المنطقة التي تبنت منهجا أكاديميًا منظما في مجال العلوم السلوكية والتحقيقات وبالتحديد البولي جراف، إدراكا منها بأن الأمن الحديث لا يبنى على الخبرة العملية وحدها، بل على المعرفة المؤسسية المتخصصة، وقد جاء هذا المسار مدعوما برؤية استراتيجية واضحة تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي، قامت على تأسيس أكاديمية وكيانات تدريبية متخصصة تعنى بتأصيل هذا العلم، وتطوير مناهجه، وإعداد كوادره وفق معايير علمية دقيقة، إن إنشاء هذه المنابر الأكاديمية لم يكن خطوة إدارية فحسب، بل قرارا يعكس فهما عميقا لطبيعة التحديات المعاصرة، وإيمانا بأن الاستثمار في الإنسان والمعرفة هو الركيزة الأساسية لترسيخ دولة حديثة قادرة على حماية أمنها واستقرارها بكفاءة واحترافية.
تبقى الحقيقة الراسخة أن مصر كانت ولا تزال ولادة بالكوادر والعقول، وأن الخير الكامن في أبنائها هو الثروة الحقيقية التي تقوم عليها قوة الدولة واستمرارها، لقد أثبتت التجربة أن ما تمتلكه مصر من عناصر بشرية مدربة ومؤهلة في مجالات البحث والتحليل والدراسات الأمنية يمثل أحد أهم دعائم ريادتها الإقليمية، فالمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الجيش المصري، تضم نخبة من الكفاءات القادرة على الجمع بين الانضباط العسكري والعمق العلمي، وبين الخبرة الميدانية والبحث المنهجي الرصين، هذه المعادلة الفريدة، التي تقوم على الإنسان قبل الإمكانات، هي ما يمنح مصر تفوقها واستقرارها، ويؤكد أن قوة الوطن الحقيقية تنبع من جودة عقول أبنائه وإخلاصهم، ومن إيمانهم الدائم بأن العلم والعمل معا هما الطريق الأكيد لصون الدولة وتعزيز مكانتها.
الأكثر قراءة
-
“ذنبها إنها قالت لا".. 8 مشاهد صادمة ترصد مأساة "ميرنا" فتاة الخصوص
-
أسعار الفراخ اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026
-
ترتيب الدوري المصري بعد فوز الزمالك وبيراميدز على زد وغزل المحلة
-
من هو فهمي عمر كبير الإذاعيين؟.. مسيرة خالدة مع أثير الميكروفون
-
متى ينتهي رمضان 2026؟ الموعد المتوقع لآخر يوم وأول أيام عيد الفطر
-
"منهم لله هم السبب"، فتاة تترجل من ميكروباص وتلقي بنفسها في النيل بسوهاج
-
موعد عيد الأم 2026، يأتي في إجازة رسمية
-
بعد 11 سنة معاناة.. "بودة" محارب الفشل الكلوي يغمض عينيه للأبد
مقالات ذات صلة
من محراب العلم إلى محراب الأخلاق.. يوم مختلف في جامعة الأزهر
17 فبراير 2026 09:28 ص
رسالة مفتوحة إلى وزير الثقافة الجديد.. ركز على الأثر؟
09 فبراير 2026 06:24 م
الانتظام البحثي المؤسسي.. حالة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار
04 فبراير 2026 01:31 م
خطة طموحة ومسؤولية مؤسسية.. جامعة القاهرة أمام اختبار الأولويات
27 يناير 2026 12:40 م
أكثر الكلمات انتشاراً