الثلاثاء، 28 أبريل 2026

02:11 ص

محمد الطماوي

ظروف "الطنطاوي" القهرية وإثارة الضجيج حول جامعة القاهرة

أكتب هذا المقال لا رغبة في معركة عابرة، بل دفاعا عن معنى الدولة وسمعتها الأكاديمية عالميا حين تختزل في منشور وبيان يحمل قراءة أحادية للوقائع، وعن معنى الجامعة حين تسحب قسرا إلى ساحة الضجيج والفضاء الفارغ، وعن معنى القانون حين يحاول البعض استبداله بالتعاطف اللحظي، أكتبه للتاريخ الذي سيحاسبني إن لم أكتب، وللناس، وللعامة الذين صارت مواقع التواصل تدفعهم أحيانا إلى تصديق أول رواية تصاغ ببراعة، قبل أن يسألوا: أين المستند؟ أين اللائحة؟ أين المركز القانوني؟ وأين الحدّ الفاصل بين الحق وبين محاولة تقديم قراءة سياسية لملف أكاديمي؟

خرج "أحمد طنطاوي" - الذي لا أعلم حقا صفته الوظيفية سوى أن لديه نشاطا على مواقع التواصل - ببيان للرأي العام يعلن فيه اللجوء إلى القضاء الإداري بعد أن تم إنهاء قيده في جامعة القاهرة لانتهاء مدته القانونية، ومع كل التأكيد أن الكلمة الأخيرة ستظل للقاضي وحده، فإن احترام القضاء لا يعني الصمت أمام خطاب حاول حسم القضية على ساحات منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية قبل أن تحسم قانونيا، ومن حقه أن يخاصم القرار أمام المحكمة، لكن من حق المجتمع أيضا أن يناقش روايته المطروحة التي قدمها، وأن يفككها، وأن يسأل: هل نحن أمام حق أكاديمي مهدر فعلا، أم أمام محاولة لتحويل انقطاع طويل عن استكمال إجراءات التسجيل إلى قضية اضطهاد سياسي يفقتر إلى سند؟!

في البداية يجب التأكيد أن جامعة القاهرة ليست مؤسسة عابرة في هامش الدولة المصرية، وليست مكتبا إداريا صغيرا يمكن أن تلطخ سمعته بجملة عاطفية أو اتهام مرسل، إنها واحدة من أعرق الجامعات في الشرق الأوسط، ومكانتها أكبر من أن تختزل في خصومة فردية، ومن يحب جامعة القاهرة وقادتها وعلمائها حقا لا يدافع عنها بالإنشاء الفارغ، بل بالدفاع عن حقها في تطبيق لوائحها، وعن حق مجالسها العلمية في التقدير، وعن حقها في ألا تبتز بمنطق إما أن تمنحني الاستثناء، أو أتهمك بالتسييس.

ما دعاني لكتابة المقال هو الخلل في بيان الطنطاوي حيث بدأ من النتيجة لا من البرهان، حينما يقول إن القرار مجحف، وإنه يفتح الباب لانحراف في استعمال السلطة، وإنه يفتح باب تسييس العملية التعليمية، هذه أوصاف خطيرة للغاية، لكنها لا تتحول إلى حقائق لمجرد تكرارها، في القانون، الانحراف في استعمال السلطة ليس شبهة تلقى في الهواء، بل عيب جسيم يحتاج إلى دليل واضح على أن الإدارة استخدمت سلطتها لتحقيق غرض غير الذي من أجله منحت هذه السلطة.

والحقيقة التي ينبغي تثبيتها بوضوح ويعلمها الجميع أن النجاح في مقررات الدكتوراه لا يساوي تسجيل الرسالة تلقائيا، ولا يمنح صاحبه حقا أبديا مفتوحا بلا أجل، والدراسات العليا ليست مسارا عاطفيا، بل نظام أكاديمي محكوم بمواعيد وإجراءات وموافقات واعتمادات، وهناك فرق جوهري بين أن يجتاز الباحث مقررات تمهيدية، وبين أن يستكمل في المدة المحددة إجراءات تسجيل الرسالة، من يخلط بين الأمرين يقدم صورة غير مكتملة، ونصف الحقيقة في القضايا العامة قد يكون مضللا.

ويستند ما أقوله إلى ما تقرره لوائح الدراسات العليا في كل الجامعات المصرية، ومنها لوائح جامعة القاهرة التي تنص على تحديد مدد زمنية ملزمة لتسجيل الرسائل العلمية، مع ترتيب جزاء إنهاء القيد عند عدم استيفاء الإجراءات خلال هذه المدد، وهو ما يعكس الطبيعة التنظيمية الملزمة لهذه اللوائح.

كما يستند إلى المبادئ المستقرة في قضاء مجلس الدولة المصري التي تقرر أن المدد والإجراءات التي تحددها اللوائح تنشئ مراكز قانونية واجبة الاحترام، وأن منح المهلة أو الاستثناء يظل خاضعًا للسلطة التقديرية للجهة الإدارية، ولا يعد حقا مكتسبا للطالب، ما لم يثبت انحراف الإدارة في استعمال سلطتها، ويضاف إلى ذلك ما استقر عليه قضاء محكمة النقض المصرية بشأن القوة القاهرة من أنها الحادث الذي لا يمكن توقعه ولا دفعه ويستحيل معه تنفيذ الالتزام، وهو تعريف قضائي منضبط يستخدم معيارا لتقييم مدى توافر الأعذار القانونية التي قد تبرر الخروج الاستثنائي على القواعد العامة.

لقد قرأت بيانه وسرديته حول الأسباب القهرية التي تحتاج إلى تفكيك لا إلى تصفيق، السفر إلى الخارج، مهما كانت دوافعه، لا يصبح بذاته قوة قاهرة تلزم الجامعة بتجميد الزمن، الانشغال بحملة انتخابية، مهما كانت أهميتها لصاحبها، هو اختيار سياسي، وليس ظرفا أكاديميا مفروضا على الكلية، أما الأحكام القضائية وما ترتب عليها من سجن، فهي وقائع قانونية خارج مسؤولية الجامعة، الجامعة لم تسفره، ولم تكلفه بحملة انتخابية، ولم تكن طرفا في الحكم القضائي، فكيف يطلب منها بعد ذلك أن تتحمل كل آثار هذا المسار وكأنها المسؤولة عنه؟

ولقد بحثت كثيرا فيما يتعلق بالاستناد إلى عقوبة سالبة للحرية كسبب لوقف سريان المدد أو مدها، فوجدت ذلك لا يعد في ذاته قوة قاهرة بالمعنى القانوني المستقر، إذ إن القوة القاهرة وفق ما استقر عليه قضاء محكمة النقض تقتضي أن يكون الحادث خارجا عن الإرادة، غير متوقع، ويستحيل معه تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة، وهي شروط لا تتحقق تلقائيا في حالة السجن، فالقضاء الإداري لدى مجلس الدولة المصري درج على التفرقة بين المانع المطلق الذي ينشئ استحالة حقيقية، وبين الظروف الشخصية أو القانونية التي قد تعوق التنفيذ دون أن تجعله مستحيلا على نحو قاطع، خاصة إذا كانت هذه الظروف قد نشأت عن مسار سابق كان في مقدور صاحبه تداركه أو تفادي آثاره في الإطار الزمني المقرر، ومن ثم، فإن العقوبة السالبة للحرية تظل ظرفا يقدر في ضوء ملابساته، ولا تنهض بذاتها سببا ملزما للإدارة بمد المدد أو استثناء القيد من أحكام اللوائح، وإنما تخضع لتقدير الجهة المختصة ورقابة القضاء في ضوء مدى توافر شروط القوة القاهرة على وجهها المنضبط.

القوة القاهرة، في معناها المنضبط، ليست مظلة واسعة يضع تحتها كل إنسان اختياراته وتعثراته ومساراته الخاصة، القوة القاهرة حدث استثنائي خارجي لا يمكن توقعه ولا دفعه ويجعل التنفيذ مستحيلا، أما أن تجمع وقائع متفرقة، بعضها اختياري وبعضها نتيجة مسار قانوني، ثم تصاغ كلها في عبارة واحدة اسمها أسباب قهرية، فهذا توسع يثير إشكاليات قانونية واضحة، لو قبلناه لتأثرت فكرة المواعيد من أصلها، عندها سيأتي كل من انقطع لسنوات ويقول: كانت لدي ظروف، وستتحول اللوائح إلى نصوص بلا فاعلية.

وحين يتم الاستناد إلى أن زملاء من نفس الدفعة حصلوا على مهلة، فإن هذه الحجة تبدو جذابة شعبيا لكنها ضعيفة قانونيا ما لم يثبت تماثل المراكز القانونية تماثلا كاملا، الزمالة في الدفعة لا تعني وحدة الظروف، ولا وحدة المواعيد، ولا وحدة المستندات، ولا وحدة حالة القيد، ولا وحدة تاريخ الانقطاع، القانون لا يقول: من دخلوا الدفعة نفسها يعاملون آليا بالطريقة نفسها، القانون يقول: من تماثلت مراكزهم القانونية يعاملون بالمساواة، وهذا فرق كبير بين العدالة والانطباع العام.

بل إن وجود حالات مشابهة لحالة أحمد طنطاوي انتهى قيدها وأصبحت غير مسجلة تم تقديمها للمحكمة يعزز فكرة أن القواعد تطبق بصورة عامة، وهذا ما قدمته الجامعة بالفعل، فإذا كانت الجامعة قد طبقت ذات القاعدة على آخرين لا ضجيج لهم ولا حضور سياسي لهم، فكيف تصبح القاعدة ذاتها موضع تشكيك حين تصل إلى اسم معروف؟ هنا يظهر جوهر الانتقائية: حين تطبق اللائحة على المجهولين تكون إجراء إداريا، وحين تطبق على شخصية عامة تُفسر على نحو مختلف، وهذا طرح يثير تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات.

ومن المهم أن نقولها بوضوح عبارة استقلال الجامعات في هذا السياق من أكثر جوانب الخطاب تناقضا، استقلال الجامعة يعني أولا أن تملك قرارها الأكاديمي والإداري دون ضغط، لا أن تحاصر، استقلال الجامعة يعني أن تقول لا حين ترى أن اللائحة لا تسمح، وأن ترفض الاستثناء إذا رأت أنه يهدم العدالة بين الباحثين، أما أن يستخدم شعار الاستقلال ضمن خطاب يغلب عليه الطابع الانفعالي، فهذا يبتعد عن جوهر المفهوم.

وقد يسأل قارئ المقال ما الذي يشغلني بالدفاع هكذا عن جامعة القاهرة؟! أدافع عن جامعة القاهرة لأنني أرى فيها رمزا من رموز الدولة المصرية، وأدافع عن أجهزة الدولة وصورتها العالمية لأنني أرفض تحويلها إلى شماعة جاهزة لكل إخفاق أو تعثر، والحقيقة أن الدولة المصرية، بقيادتها وأجهزتها، أكبر من أن تختصر في خصومة مع شخص لم يستكمل متطلبات درجة علمية في مدتها القانونية، وأكبر من أن يقال إنها سخرت جامعة عريقة ذات سمعة دولية مرموقة لمنع تسجيل رسالة أكاديمية.

ومع ذلك يصرّ الطنطاوي، في روايته، أن يقدم نفسه في مركز المشهد كله أن: السياسة تستهدفه، الجامعة تلاحقه، اللوائح تنحني ضده، والإجراءات تفصل خصيصا لمنعه، وهو ما يدفعني إلى تكرار أن المظلومية والتصفيق تصنع مركزا قانونيا، ولا تدار الجامعات بمنطق من يملك جمهورا يملك استثناء، جامعة القاهرة باقية بما تمثله من علم وتاريخ وهيبة، والدولة المصرية باقية بمؤسساتها وقواعدها، أما فقاعات الضجيج فمهما علت، تنتهي حين تصطدم بسؤال بسيط: هل استوفيت الشروط أم لا يا أحمد؟.

وما يجب أن يقال بلا مواربة أن طنطاوي أو غيره ليس فوق اللائحة، ولا خارج المدد، ولا أكبر من القواعد، أما أن يسبق القضاء ببيان للرأي العام يحاكم فيه الجامعة ويحاول التشكيك في دوافعها، فهذا استخدام للمنبر العام لطرح وجهة نظر، لا مجرد عرض قانوني، والقضاء الإداري سيقول كلمته، لكن إلى أن يقولها، فمن حقنا أن نرفض محاكمة جامعة القاهرة والدولة على منصات التواصل، وأن نرفض تحويل اللوائح إلى تأويلات، وأن نرفض ثقافة القطيع التي تصفق بالمظلومية قبل أن تقرأ، وتدين قبل أن تفهم، وتبحث عن أبطال حتى لو كانوا مصنوعين من ورق.
 

search