"الثقافة" في عيدها.. لحظة مراجعة أم صورة تذكارية مكررة؟
في عيد الثقافة، حين يفترض أن تتقدم الأسئلة على المنصات، وأن يعلو صوت المعنى على ضجيج الاحتفال، وفي استحضار توجهات الدولة، لا يمكن فصل المشهد الثقافي عن الإطار العام الذي رسمه الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه المتكرر حول بناء الإنسان بوصفه جوهر أي نهضة حقيقية.
فقد أكد الرئيس، في أكثر من مناسبة، أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معارك الأمن والاقتصاد، وأن الثقافة ليست قطاعا هامشيا أو ترفا نخبويا، بل إحدى أدوات الدولة في حماية الهوية الوطنية وتجديدها في آن واحد، ومن هذا المنطلق يبرز السؤال المشروع: إلى أي مدى نجحت السياسات الثقافية الراهنة في ترجمة هذا التوجه الرئاسي من خطاب استراتيجي إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية؟
يصبح توجيه السؤال إلى الدكتور أحمد هنو وزير الثقافة، فعل وفاء للثقافة لا خروجا عليها، فالثقافة، في جوهرها، ليست زينة للخطاب الرسمي ولا خلفية أنيقة للمشهد العام، بل هي اختبار دائم لصدق الدول مع عقل مواطنيها، ومن هنا يحق لنا أن نسأل: أي ثقافة نحتفي بها اليوم؟ أهي ثقافة تقاس بعدد الفعاليات واللافتات، أم ثقافة تقاس بقدرتها على زعزعة السكون، وفتح نوافذ الوعي، ومساءلة ما استقر في العقول من مسلمات؟ وأين تقف الوزارة من هذا التعريف، لا في الخطب، بل في السياسات اليومية التي تصنع الواقع أو تتركه على حاله؟
ثم إن السؤال الأكثر إلحاحا، والأشد وجعا، يتعلق بالمتلقي الغائب الحاضر: المواطن العادي، الذي يقال إن الثقافة تنتج من أجله، بينما لا تصل إليه إلا صدفة أو مجاملة، كيف يمكن لوزارة الثقافة أن تتحدث عن الدور التنويري وهي لا تزال أسيرة جغرافيا ضيقة، تعيد إنتاج الفعل الثقافي في دوائرها، وتترك الأطراف في هامش الاهتمام؟ وهل تكفي القوافل المؤقتة والزيارات البروتوكولية لتعويض غياب مشروع ثقافي مستدام في القرى والمدن البعيدة، أم أن العدالة الثقافية ما زالت شعارا أكثر منها التزاما أخلاقيا واضح المعالم؟.
ويزداد السؤال تعقيدا حين نقترب من علاقة المؤسسة بالمبدعين، بأي معيار يفتح الباب، وبأي معيار يغلق؟ كيف تدار فكرة الدعم؟ وهل هناك منظومة شفافة تمكّن أي مبدع، مهما كان موقعه الاجتماعي أو بعده عن المركز، من أن يفهم طريقه إلى المؤسسة؟ أم أن المشهد الثقافي، بصورته الراهنة، يعكس نوعا من الطمأنينة القاتلة إلى الأسماء المألوفة، والخطابات الآمنة، والأفكار التي لا تقلق مسؤولي الثقافة أنفسهم ولا تربكهم يقينا؟ وكيف يمكن للثقافة أن تتجدد إذا خافت من المغامرة، أو استبدلت الجرأة بالاعتياد؟
ولا يمكن الحديث عن الثقافة دون التوقف طويلا أمام قصور الثقافة، تلك المفارقة المؤلمة بين الاسم والدور، كم من هذه القصور لا يزال قصرا في المعنى، لا في الحجر؟ وكم منها تحوّل إلى مبنى إداري صامت، يفتقر إلى الروح والحياة والتفاعل؟ هل تمتلك الوزارة شجاعة المكاشفة، لا الاكتفاء بتقارير الإنجاز؟ وهل هناك رؤية تعترف أولا بما فشل وتعثر، قبل أن تعلن عن خطط تطوير قد تغير الواجهة وتترك الجوهر كما هو، خاويا من الأثر؟
ثم نصل إلى جوهر الجوهر، تركيز الرئيس على الشباب باعتبارهم عماد المستقبل، يفرض الواقع الثقافي سؤالا إضافيا: هل يشعر الشباب أن وزارة الثقافة تمثلهم فعلا، أم أنها تخاطبهم بلغة لا تشبههم؟ كيف تترجم توجيهات الرئيس بشأن تمكين الشباب إلى سياسات ثقافية تفتح لهم المجال، وتثق في تجاربهم، وتسمح لهم بإعادة تعريف الفن والمعرفة بوسائطهم وأسئلتهم الخاصة؟ أم أن الفجوة بين الأجيال ما زالت قائمة تدار بالاحتواء الشكلي لا بالشراكة الحقيقية؟.
وفي زمن لم تعد فيه المنصات الرسمية هي الحاضن الوحيد للتعبير، بل بات الشباب يخلقون لغاتهم وأشكالهم الفنية خارج الأطر التقليدية، يبرز سؤال لا يقل خطورة: هل تملك الوزارة مرونة الإصغاء لهذا العالم الجديد؟ أم أنها ما زالت تتعامل معه بريبة، كأنه تهديد لا فرصة؟ كيف يمكن لسياسات ثقافية تُدار بعقلية قديمة أن تتفاعل مع أجيال تُعيد تعريف الفن والمعرفة والهوية كل يوم؟ وأين موقع الوزارة من هذا التحول: شريك، أم مراقب، أم متأخر عن اللحظة؟
إن استدعاء توجهات الرئيس في عيد الثقافة ليس توظيفًا سياسيًا، بل مساءلة ضرورية: هل تسير الثقافة بالفعل في قلب المشروع الوطني، أم على هامشه؟ وهل ما نحتفل به اليوم يعكس طموح الدولة في بناء وعي جديد، أم يكتفي بترديد الشعارات دون أن يخوض معركة المعنى حتى نهايتها؟ تلك أسئلة تطرح بروح المسؤولية لا الخصومة، وبإيمان راسخ بأن توافق الرؤية بين القيادة السياسية والمؤسسة الثقافية لا يُقاس بالتطابق الصامت، بل بالقدرة على تحويل التوجيهات الكبرى إلى فعل ثقافي حي، صادق، وشجاع.
وأخيرا، بعيدا عن الكلمات المنمّقة، ما الذي يمكن أن يعد به معالي الوزير المواطن البسيط في عيد الثقافة؟ كيف يمكن لهذا اليوم أن يكون لحظة صدق لا مناسبة مجاملة، ولحظة مراجعة لا صورة تذكارية؟ كيف يمكن للثقافة أن تعود إلى موقعها الطبيعي كضمير حي، لا كصوت رسمي مكرور؟ تلك أسئلة لا تطرح بدافع الخصومة، ولا بدافع الاستفزاز، بل بدافع الإيمان العميق بأن الثقافة، حين تدار بشجاعة ووعي، لا ترضي الجميع، لكنها تنقذ المجتمع من التصالح الخطير مع الرداءة والصمت.
الأكثر قراءة
-
بصاروخية فالفيردي، ريال مدريد يتقدم على أتلتيكو في الشوط الأول
-
"لو راحل تعالالي وأنا أوريك".. كواليس إطلاق رجل أعمال النار على مدير جولدن جيم (خاص)
-
"بوب مارلي الأقصر"، حسان أحمد سائق "توكتوك" يجذب السائحين بطريقة ذكية
-
رحل الإعلامي وبقي الإنسان.. وائل الإبراشي في ذاكرتنا
-
أمن سوهاج يكشف حقيقة وجود شبهة جنائية وراء رحيل "رضيعة طهطا"
-
شقيق "الديزل" ضحية رجل الأعمال: "فتح رأس اخويا وضربه بالنار عشان 5 عيال"
-
من أبناء سوهاج، غرق شابين أثناء السباحة في ترعة توشكى بأسوان
-
عزيزي رامي عياش.. تأدب حتى نراك!
مقالات ذات صلة
الثقافة الرسمية خارج العصر.. حين تدار جوائز الدولة بلا منصة رقمية
31 ديسمبر 2025 11:29 ص
حنانيك يا عاشور.. البحث عن عدالة لـ "الأستاذ الحائر"
27 ديسمبر 2025 07:00 م
غياب القدوة الأكاديمية.. حين انطفأ النور في محراب الجامعة
22 ديسمبر 2025 12:24 م
رسالة مفتوحة للأعلى للجامعات الخاصة.. إقطاعية البيه المدير؟!
15 ديسمبر 2025 12:19 م
أكثر الكلمات انتشاراً