الجمعة، 09 يناير 2026

10:50 ص

"حرم السفير"

ليست حرم السفير لقبًا اجتماعيًا يُتلى في المناسبات، ولا ظلًا باهتًا يقف خلف صورة رسمية معلّقة على جدار.
حرم السفير هي المرأة التي تعلّمت الصمت حين كان الكلام خطرًا، والثبات حين كان الخوف مبررًا، والانتظار حين كان الرحيل واجبًا وطنيًا.

عاشت عمرها على حواف القلق، تعرف أن الوطن لا يطلب من الرجال وحدهم التضحية، بل يمدّ يده خفية إلى قلوب نسائهم.

كانت ترى زوجها يخرج كل صباح محمّلًا بملفات لا تُفتح في البيوت، وأسرار لا تُحكى، وقرارات قد تغيّر مصائر، فتبتسم… وتخبئ ارتجاف قلبها جيدًا.

في الأماكن التي خدم فيها، لم يكن الخطر حدثًا طارئًا، بل احتمالًا يوميًا.

كانت تعرف أن مكالمة متأخرة قد تعني الكثير، وأن الصمت أحيانًا أشد قسوة من الأخبار السيئة.

ومع ذلك، بقيت واقفة؛ لا تشتكي، لا تُربك، ولا تسمح للخوف أن يسرق منها هيبتها الداخلية.

واليوم، انقلب المشهد.

ذلك الرجل الذي واجه العواصف السياسية، وتحمّل صخب الملفات والمفاوضات، يعيش الآن بين أصوات الأجهزة الطبية، محاصرًا بأربع جدران في العناية المركزة.

لم تعد حوله خرائط ولا وفود، بل شاشات ترصد أنفاسه، وأسلاك تحفظ إيقاع قلبه.

وهنا، تظهر حرم السفير في أنقى صورها. امرأة تجلس على كرسيّ المستشفى كما جلست من قبل على مقاعد الانتظار في المطارات، بنفس الصبر، بنفس الدعاء، بنفس الإيمان بأن المعارك لا تنتهي… فقط تتبدل ساحاتها.

تمسك يده لا بوصفها زوجة فحسب، بل شاهدة على رحلة عمر، وعلى وطن مرّ من هنا، وعلى رجل دفع ثمن خدمته من صحته وسكينته.

تُحادثه همسًا، كأنها تفاوض القدر هذه المرة، وتقول له: كنت قويًا من أجل الجميع، والآن دعنا نكون أقوياء من أجلك.

حرم السفير ليست خلفه… هي كانت دائمًا بجانبه.
وحين أُنهك، صارت أمامه..
تصدّ عنه الهزيمة..
وتُذكّره أن الرجال الذين خدموا أوطانهم بصدق، لا يسقطون…
بل يستريحون قليلًا، على قلوب من أحبوهم

search