السبت، 10 يناير 2026

08:01 ص

الدكتور محمد فتحي يونس

الأستاذ الإبراشي.. موعدنا في السابعة

لم تقل لقاءاتي مع المرحوم الأستاذ وائل الإبراشي يوما عن أربع ساعات؛ يأسرك من طريقة استقباله وسلامه، لا يتكلم خلالها كثيرا؛ بل منهمكا في أوراق وتليفونات؛ تظن معها إذا كنت لا تعرفه أنه لا يهتم بك؛ وحين تستعد للخروج تجده يشد علي يديك ثم يطلب لك كوبا إضافيا من عصير الليمون؛ ولا يسمح لك أبدا بالانصراف، تنتابك قبل اللقاء مشاعر  متضاربة خاصة أنك انتظرت طويلا؛ مع العشرات هؤلاء الذين جاؤوا جميعا للقاء في السابعة. ذاك الموعد المقدس للجميع الذي لم ينضبط أبدا طوال عشرين عاما.

حين تدخل في عالمه؛ ستدرك سر هذه الفوضى الخلاقة، لا يغلق الباب أمام أي مظلمة مهما بدت تافهة وبسيطة، فما هو بسيط أمام عينيك، قد يكون معضلة أمام غيرك، ذات مرة جاءته امرأة بسيطة من كفر الشيخ، ابنتها مصابة بورم حميد في الوجه، طال المرض لسنوات ولا تستطيع علاجها ل ضيق ذات اليد، كانت أول مرة أعلم أن بعض البسطاء يبدأون في تجهيز  البنات منذ الطفولة، تحسبا لغدر الأيام، قالت السيدةً  "أنا بعت الصيني بتاعها علشان اعرف اكشف عليها وما اقدرتش اكمل" أمسك بالهاتف ليطلب مسئولا كبيرا في مسشفى للأورام وحين تحجج الرجل أنهم لا يقبلون إلا الأورام الخبيثة ثار في وجهه مذكرا إياه أنه يلاحقهم للظهور في الإعلانات ثم يرفض علاج مريضة في أمس الحاجة، أنهى النقاش بتحديد موعد في السابعة صباح اليوم التالي في المستشفى ثم منح السيدة ما يكفيها للمبيت ليلة والانتقال في القاهرة وتابعها حتى الشفاء.

تتنوع الجلسات؛ ما بين خريج يبحث عن فرصة، أو صاحب مظلمة؛ أو مصدر يشرح أوراقه ومستنداته؛ فنانون ومسئولون وأصدقاء يدخل الضيف للمكان ولا يعرف متى سيخرج،  تطول اللقاءات للفجر أحيانا ؛ فالعبرة  بحل المشكلة.
-----------
وسط هذه اللقاءات يدور دولاب العمل الاستثنائي؛ يخرج الزملاء ويدخلون للمكتب؛ يتشاجرون ؛ ينصبون الفخاخ الصحفية المعتادة؛ لا يضح حواجز ولا تضبطه بلفظ مسئ؛ كان يسمع أحيانا من يسئ إليه من بعيد، فلا يتغير، وفي غمرة الخلاف السياسي قبل ثورة يناير كان يقابل هجوم زملاء قدامى شاركوه البدايات والذكريات بالصمت، متسلحا بمبدأ عدم الإساءة لزميل على أوراق يملكها الناس.

حين عملت معه في صوت الأمة، جاء للمكان بنجومية صحفية بازغة ؛ يحمل سمعة مهنية ذهبية بتحقيقاته عن لوسي آرتين؛ والمتطرفين في لندن واتصالات الجماعات المتطرفة بالسفارة الأمريكية وصراع الأمراء العرب في القاهرة… عشرات العناوين التي قفز معها توزيع روزاليوسف لأرقام قياسية.

كرر التحدي بوجه جديد؛ استمر  في تغليب التحقيق الصحفي على الرأي؛ كان يبحث عن المعلومة ويبجلها؛ تحولت معه المصادر لصحفيين؛ جاءنا مرة عامل صيانة لإصلاح حنفية؛ تهكم أحد الزملاء قائلا : "استعد ده مدير التحرير الجديد" تأتي المعلومة أولا ثم نصوغها ويضعها المطبخ الصحفي في مكانها الصحيح في الطبخة. كان أول من ابتكر بابا سماه الإسلام السياسي؛ وكان سباقا في معرفة سيكولوجية القارئ المتعجل؛ فيطيل العناوين ويستخرج "الكابشن" كبديل للعنوان البلاغي؛ ليخطف القارئ الكسول. يبحث عن الصدمة والاشتباك. عن الدراما التي تزيد التوزيع.

يقسم الوجبة الصحفية ثلثا للسياسة وثلثين للرياضة والفن والمجتمع؛ موهوب لا يغفل أن الصحافة سلعة؛ يأخذ بيد الصغار  ويقدمهم للصفحات الأولى؛ مركزي حتى الاحتراق؛ لا يترك سطرا إلا وقرأه؛ عسى أن تفلت معلومة تهز القارئ غفلتها العناوين.

بالقلم الفلوماستر وخط النسخ العجيب وورق الدشت تختلط الأفكار والمعلومات وحصيلة اللقاءات.

لا أعرف ما هو الموت؛ لا يوجد تعريفا حقيقيا نؤمن به بدقة؛ لم يذهب أحدنا إليه وعاد؛ لكنني أتعامل معه كانتقال شكلي؛ ومن أحبهم موجودون بشكل ما؛ ومن هنا؛ أنتظر لقاء السابعة؛ في الجريدة أو الاستوديو أو شيبرد القديم.

رابط مختصر

تابعونا على

search