الثلاثاء، 13 يناير 2026

07:25 م

من يدفع فاتورة الطلاق؟ أمراض نفسية وجرائم اجتماعية وأطفال مشردون

انفصال الوالدين "الطلاق"

انفصال الوالدين "الطلاق"

خلف كل قضية طلاق، أبناء يدفعون الثمن نفسيًا واجتماعيًا، ومع تصاعد النزاعات الأسرية تتجه الأنظار إلى الأبناء باعتبارهم الضحايا الصامتين، وسط تساؤلات ملحة حول مصير الأطفال في ظل صراعات الوالدين، وغياب قاعدة بيانات واضحة تربط الطلاق بارتفاع معدلات الانحراف والجريمة.

الحادثة الأخيرة خير دليل، حيث لفظت سارة حمدي أنفاسها الأخيرة أمس، بعد أن قضت 13 شهرا محتجزة داخل غرفة مغلقة بمنزل والدها، الذي برر فعلته أمام جهات التحقيق، بأنها كانت بدافع تأديبها، علمًا بأن والدي الطفلة منفصلين، حيث تركت الأم الابنة مع والدها مرغمة.

انفصال الوالدين "الطلاق"

33 % من أبناء الطلاق يتعرضون لتدمير نفسي

كشف استشاري الصحة النفسية، الدكتور وليد هندي، عن خطورة الآثار النفسية المدمرة للطلاق على الأبناء، موضحًا أن دراسة بريطانية صادرة عام 2025 كشفت أن نحو 33% من أبناء الطلاق يتعرضون لتدمير نفسي عند بلوغهم سن 18 عامًا، نتيجة الإصابة بالاكتئاب واضطرابات نفسية عميقة، بسبب الصراعات المستمرة بين الأب والأم.

وأضاف هندي لـ"تليجراف مصر" أن كثرة المتغيرات والنزاعات القضائية، أو استدعاء الأبناء للشهادة أمام المحاكم يؤدي إلى فقدانهم للأمن النفسي والشعور بالاستقرار، مشيرًا أن هذا ينعكس سلبًا على صحته النفسية وسلوكياته مع التقدم في العمر.

وأشار استشاري الصحة النفسية إلى أن دراسة أمريكية حديثة، أجريت على 5 ملايين طفل من أبناء الطلاق في الولايات المتحدة، كشفت أن 55% منهم أكثر عرضة لمخاطر الوفاة المبكرة نتيجة افتقارهم للرعاية المستمرة.

وشدد هندي على أن أخطر ما يواجه الطفل بعد الطلاق هو شعوره بالذنب، قائلًا: “من الضروري أن يفهم الطفل بشكل واضح أنه ليس سبب الطلاق، لأن تحميله هذا العبء النفسي يدمر صورته الذاتية ويؤسس لاكتئاب طويل الأمد قد يلازمه حتى مرحلة البلوغ”.

 استشاري الصحة النفسية، الدكتور وليد هندي

غياب البيانات حول الجرائم المترتبة على الطلاق

أكد المحامي بالنقض، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، الدكتور أحمد مصيلحي، أن التعامل مع قضايا التفكك الأسري بسبب الطلاق يواجه تحديات حقيقية تتعلق بغياب البيانات الدقيقة، موضحًا أن هناك مشكلتين أساسيتين في هذا الملف.

وقال مصيلحي في تصريحات لـ"تليجراف مصر"، إن المشكلة الأولى تتمثل في صعوبة الحصر الإحصائي في الأبحاث الاجتماعية، حيث إن حالات الطلاق أو الجرائم التي زادت بسبب الطلاق، غالبًا ما تكون غير مرصودة ما يجعل الوصول إلى أرقام دقيقة أو قاعدة بيانات واضحة أمرًا بالغ الصعوبة.

وأضاف أن المشكلة الثانية تتعلق بوجود بيانات غير معلنة أو غير موثقة، مثل حالات الطلاق الشفهي أو الانفصال الفعلي دون تسجيل رسمي فضلًا عن الزواج العرفي غير المثبت ما يؤدي إلى غياب أعداد حقيقية لحالات الطلاق وما يترتب عليها من آثار اجتماعية، مؤكدًا أن هذه المعوقات تجعل الوصول إلى نتائج دقيقة أمرًا شديد التعقيد.

وشدد أنه لا يوجد خلاف علمي على أن التفكك الأسري يعرض  بدرجات متفاوتة وفقًا للأبحاث الاجتماعية، موضحًا أنه حتى في حال عدم ارتكاب الطفل لجريمة جنائية فإنه يكون أكثر عرضة لاضطرابات سلوكية واجتماعية وقد ينخرط في سلوكيات غير سوية، مثل العنف أو التمرد أو تكرار تجربة الطلاق مستقبلًا.

انفصال الوالدين "الطلاق"

هل الطلاق وراثة؟

وأشار مصيلحي إلى أن الأطفال الذين نشأوا في أسر مفككة يكونون أكثر عرضة لاحتمالية أعلى للطلاق مستقبلاً، موضحًا أن الطلاق ينعكس بشكل مباشر على سلوكيات الأطفال، حيث تزيد معدلات العدوانية والانحراف الاجتماعي، حتى في أبسط السلوكيات اليومية، لافتًا إلى أن هذه الظواهر تتفاقم بشكل أكبر في المجتمعات النامية أو الأقل وعيًا ثقافيًا

وتابع: “بعض الجرائم الصادمة التي نشهدها حاليًا ترتبط بشكل مباشر بانفصال الأب والأم، حيث يتحول الصراع بين الطرفين إلى عنف موجّه ضد الأطفال، سواء بدافع الانتقام أو الشعور بالانكسار، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في ثقافة المجتمع تجاه الطلاق”.

وأشار إلى أن دخول الطفل في دوامة المحاكم يمثل مؤشرًا خطيرًا على تأثره نفسيًا، مشددًا أن الحل يكمن في تغيير الثقافة المجتمعية تجاه الطلاق وضمان حق الطفل في التواصل الكامل والمستمر مع كلا الوالدين بعد الانفصال، قائلًا: “الانفصال لا يعني القطيعة لأن انقطاع الطفل عن أحد والديه يضعه في حالة ضياع حقيقية”.

المحامي بالنقض ورئيس شبكة الدفاع عن الأطفال الدكتور أحمد مصيلحي

التوعية الثقافية قبل الزواج

قالت أستاذ علم النفس الاجتماعي بمركز البحوث الاجتماعية، الدكتورة سوسن فايد، أن هناك العديد من العوامل المتشابكة التي تؤدي إلى انهيار الأسرة، منها الطلاق الذي له آثار سلبية كبيرة على الطفل، منها فقدان الثقة بالنفس وبالآخرين والتخوف من المستقبل والشعور بالانعزال، لافتة أن المرأة قد تعيش وهم الاستقلال الاقتصادي لكنها غالبًا تواجه واقعًا أصعب مما توقعت.

وأوضحت “فايد” لـ"تليجراف مصر"، أن الطلاق يزيد من حدة الانفعالات لدى الأب خاصة بعد الجهد الكبير الذي بذله في بناء الأسرة ومع غياب الدعم والمساندة من الطرف الآخر تتفاقم المشاكل، مشددة أنه من الضروري التوعية الثقافية للزوجين قبل الزواج لضمان فهم المسؤوليات ووقاية الأسرة من الإنهيار.

وحول علاقة ارتفاع نسب الطلاق بزيادة السلوكيات العدوانية والجرائم، أكدت أن الثقافة تلعب دورًا أساسيًا، انتشار ثقافة العنف أو الطلاق يسهل تفكيك الأسرة والمجتمع. الإنترنت أصبح أخطر سلاح في حروب الجيل الرابع، إذ يصل إلى الأبناء والمرأة ويؤثر على عقولهم عن بعد. لذلك، يجب أن يكون هناك وعي ثقافي يحصن المجتمع ضد هذه الهجمات الفكرية".

انفصال الوالدين "الطلاق"

مبادرات بنكهة محاولات ترقيعية

وأشارت إلى أن مبادرات مثل ندوات “مودة” لتوعية المرأة قبل الزواج تعتبر مجرد محاولات ترقيعية، مؤكدة أن الحل الجذري يبدأ من التنشئة الاجتماعية منذ الصغر عبر التعليم والإعلام والثقافة، لبناء مجتمع قادر على حماية المرأة والرجل من الطلاق والعنف ومشاكل الأسرة المستقبلية.

وأوضحت فايد أن التنشئة الاجتماعية تلعب دورًا محوريًا في بناء الأسرة والمجتمع، قائلة: “إذا لم يكن الوالدان مهيئين على فهم قيمة الأسرة وكيفية الحفاظ عليها، فإن الأبناء لن ينشأوا على وعي بالقيم الأساسية وسيؤثر ذلك مباشرة على وحدة المجتمع واستقراره. التنشئة السليمة يجب أن تكون مخططة ومدروسة عبر التعليم والإعلام والثقافة”.

 الدكتورة سوسن فايد

أبرز بيانات الزواج والطلاق في مصر

ونشر المركز القومي للتعبئة العامة والأحصاء أخر احصاءات حول الزواج والطلاق لعام 2024 وجاءت فيما يلي:

عقود الزواج:

  • 936,739 عقدًا في عام 2024.
  • مقابل 961,220 عقدًا في 2023.
  • بنسبة انخفاض بلغت نحو 2.5%.

قضايا الطلاق:

  • 273,892 قضية في 2024.
  • مقابل 265,606 قضية في 2023.
  • بنسبة زيادة تقارب 3.1%.

الطلاق في الحضر والريف

المناطق الحضرية:

  • 158,201 حالة طلاق.
  • بزيادة قدرها 5.1%.

المناطق الريفية:

  • 115,691 حالة طلاق بزيادة طفيفة عن العام السابق.

وثائق وأحكام الطلاق

شهادات الطلاق الموثقة:

  • 259,697 شهادة.
  • بزيادة 1.9% عن 2023.

الأحكام القضائية النهائية للطلاق:

  • 14,195 حكمًا.
  • 95.7% منها في المناطق الحضرية.

الفئات العمرية للطلاق

الرجال:

  • أعلى نسبة طلاق في الفئة من 35 إلى 40 عامًا: 18.2%.

النساء:

  • أعلى نسبة في الفئة من 25 إلى 30 عامًا: 17.6%.

معدلات الطلاق

معدل الطلاق الخام:

  • 2.6 حالة لكل 1000 نسمة.

أعلى محافظة:

  • بورسعيد: 5.1 لكل 1000 نسمة.

أقل محافظة:

  • المنيا: 1.2 لكل 1000 نسمة.

اقرأ أيضًا:

"فتاة قنا" ليست الأولى، العنف الأسري يقتل الأبناء بذريعة "التربية

search