الأربعاء، 14 يناير 2026

08:46 م

أبو نواس: حين ضاقت الأرض واتسعت السماء

الأصل في رحمة الإنسان حسب طبيعته، أما عدم قبول التوبة أو قبولها في حالة الأسوياء، صفة الرحمة صفة ربانية سمى الله بها نفسه واختصها لنفسه، وزرع الله جزءا من الرحمة في قلوب الناس اللي بيحبهم واختصهم بده، بالتالي هي صفة نادرة وجميلة وسماوية.

يحضرني قصة أبو نواس الشاعر الكبير الملقب بشاعر الخمر بسبب قصائده وطبيعة شعره الجريء آنذاك، عندما كبر أبو نواس في السن وتاب إلى الله توبة نصوحا وأراد ببساطة الصلاة في المسجد، الناس لم تتقبل توبته وألقوه بالحجارة ولم يرحموا سنه ولا ضعفه، وعاد إلى منزله وظل فيه إلى أن مات، وعندما عرف الناس بخبر وفاته وحيدا في منزله، قام بعض الأخيار بتغسيله وتجهيزه للدفن، فوجدوا تحت مخدته آخر ما كتب أبو نواس، أعظم ما كتب في التوبة والندم والتضرع إلى الله بقبوله التوبة.

كتب (ربي وإن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم، إن كان لا يرجوك إلا محسن، فبمن يلوذ ويستجير الآثم، أدعوك ربي كما أمرت تضرعا، فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم).

يا الله على الوجع في قلب أبو نواس بعد أن رفض توبته الناس وهو يكتب هذه الكلمات إلى الله التي غناها النقشبندي بعد كل هذه السنين وأصبحت من أهم تواشيح الدعاء والتوبة إلى الله، وتعلقت بها قلوب التائبين والعاصين.

الحياة قصيرة والرسول نفسه والأديان جميعا طلبت منا قبول التوبة والإحساس بالخطأ الذي يصيب الإنسان، وخير الخطائين التوابون، واللي حصل مع أبو نواس مش حكاية فرد، دي مرآة بتعكس قسوة بشر فاكرين نفسهم أوصياء على الرحمة، مع إن الرحمة نفسها مش في إيد حد غير ربنا، الإنسان بطبعه ضعيف، بيغلط وبيقع، وأحيانا يقع وهو فاكر إن مفيش رجوع، لكن ربنا دايما فاتح باب الرجوع، باب ما يتقفلش غير بالموت.

الوجع الحقيقي مش في الذنب، الوجع الحقيقي إنك تحاول تقوم فتلاقي اللي حواليك بيكسروا فيك، يحاسبوك على ماضيك، وينسوا إنهم زيك، معرضين للوقوع في أي لحظة، الناس نسيت إن قبول التوبة مش ضعف، ده قوة قلب، ونبل روح، وفهم حقيقي لمعنى الدين.

إحنا بقينا نحب نحاكم أكتر ما نحب نحتوي، نفضح أكتر ما نستر، ونقفل أبواب الأمل بدل ما نفتحها، مع إن ربنا قال "ورحمتي وسعت كل شيء"، وإحنا حابين نضيقها على مزاجنا، وكأن الرحمة رصيد محدود.

واللي بيرفض توبة غيره، غالبا رافض يواجه نفسه، خايف من ذنوبه، فبيستقوى بالحكم على غيره، إنما اللي قلبه صاحي، يعرف إن كل عاص ممكن يبقى أقرب لربنا من غيره.

الحياة فعلا قصيرة، ومش مستاهلة نعيشها حراس على أخطاء بعض، الرسول ﷺ قال "كل بني آدم خطاء"، يعني الغلط مش استثناء، ده الأصل، والاستثناء الوحيد هو التوبة، فلو فضلنا ماسكين في اللي فات، بنثبت إن المشكلة مش في الذنب، المشكلة في العقول.

مش كده ولا إيه.. 

أشوفكم تاني قريبا وللحديث بقية، À toute à l'heure، والمسامح كريم، ورمضان كريم.

title

مقالات ذات صلة

search