الصوت الشتوي تحت قبة البرلمان.. العبرة بالأداء
لم يكن مشهد صعود النساء إلى منصة الجلسة الأولى في البرلمان مجرد تفصيلة بروتوكولية عابرة، بل علامة فارقة في الوعي الجمعي قبل أن تكون حدثًا سياسيًا. مشهد يحمل دلالة أعمق من عدد المقاعد، وأثقل من لغة الأرقام، لأنه يضع سؤال الكفاءة في مواجهة أحكام المظهر، ويختبر قدرتنا كمجتمع على الفصل بين الدور العام والجسد، بين الأداء والسن، بين المنصب والنظرة المسبقة.
ظهور نائبات ربما صغيرات في العمر، وربما جميلات في الشكل، أعاد إلى السطح نقاشًا قديمًا لم يُحسم بعد: هل ما زلنا نقيم المرأة العامة بعيون خاصة؟ وهل ما زال حضورها في المجال السياسي مرهونًا بتبريرات إضافية لا تُطلب من الرجل؟
اللافت أن جزءًا من الجدل لم يتوقف عند البرامج أو الرؤى أو أدوات العمل التشريعي، بل انزلق سريعًا إلى مساحات سطحية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اختلط التعليق السياسي بالمغازلة، وتجاورت السخرية مع التحرش، وتحوّل المنصب النيابي في بعض المنشورات إلى مادة للتقييم الجمالي لا للمساءلة المهنية.
هذا الانزلاق ليس بريئًا، ولا عفويًا كما يحاول البعض تصويره. هو انعكاس مباشر لثقافة ترى المرأة استثناءً في المجال العام، وتتعامل مع وصولها إلى مواقع القرار بوصفه حدثًا يستدعي التعليق لا المساءلة. الرجل السياسي يُسأل عمّا يقول ويفعل، والمرأة السياسية تُسأل عمّا ترتدي وكيف تبدو، ثم يُضاف سؤال الكفاءة في نهاية القائمة، إن وُجد.
التحرش والمغازلة في هذا السياق ليسا مجرد تجاوزات أخلاقية فردية، بل خطاب اجتماعي مقلق. خطاب يُفرغ المنصب من مضمونه، ويعيد المرأة خطوة إلى الخلف كلما تقدمت خطوة إلى الأمام. وكأن الرسالة الضمنية تقول: يمكنك الدخول إلى البرلمان، لكنك لن تخرجي من إطار الجسد في وعينا الجمعي.
المفارقة أن هذا الخطاب يتصادم بوضوح مع تراث ديني وفكري أقرّ بقدرة المرأة القيادية دون مواربة. القرآن الكريم، وهو النص المؤسس لوجدان هذه الأمة، لم يتردد في تقديم نموذج ملكة سبأ باعتباره نموذج حكم رشيد. امرأة تقود، وتفكر، وتتشاور، وتُقدّر مآلات القرارات، وتقدّم الحكمة على الاندفاع. لم يكن ذكرها استثناءً عابرًا، بل شهادة واضحة على أن القيادة تُقاس بالبصيرة لا بالنوع.
في المقابل، يتمسك بعضهم بحديث يُستدعى كلما حضرت المرأة في موقع سلطة: “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”. حديث أُخرج من سياقه التاريخي والسياسي، ووُضع في مواجهة الواقع المعاصر دون قراءة منهجية أو فقهية متوازنة. كثير من العلماء تحدثوا عن خصوصية السياق الذي قيل فيه الحديث، وعن ارتباطه بظرف سياسي محدد لا بتقرير قاعدة أبدية. لكن الخطاب الشعبي يفضّل الاختزال، لأن الاختزال مريح، ولا يطلب جهدًا في الفهم أو المراجعة.
الأخطر من ذلك أن هذا الحديث يُستخدم أحيانًا كأداة لإغلاق النقاش، لا لفتحه. وكأن الدين يُستدعى هنا ليحسم معركة اجتماعية لم نحسمها بعد على مستوى الوعي. بينما الحقيقة أن الدين ذاته دعا إلى العدل، وإلى إسناد الأمر إلى أهله، وإلى محاسبة المسؤول على فعله لا على شكله أو نوعه.
البرلمان، في جوهره، مساحة للأداء. منصة تُقاس فيها القيمة بالقدرة على التشريع، وبالوعي بالقضايا العامة، وبالقدرة على الرقابة والمساءلة، وبالانحياز لمصالح الناس. لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، ولا بين شاب وكبير، إلا بقدر ما يقدمه كل منهم من جهد ورؤية ونزاهة.
التعامل مع النائبات بوصفهن ظاهرة جمالية أو عمرية هو تقزيم لدور البرلمان ذاته قبل أن يكون انتقاصًا من المرأة. لأننا، بهذا المنطق، لا نناقش السياسات، ولا نراقب الأداء، بل ننشغل بقشور تُفرغ العمل العام من معناه. وهذا الانشغال يخدم الرداءة أكثر مما يخدم النقد.
هناك محور آخر لا يقل أهمية في هذا النقاش، وهو مسؤولية الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع، بل يصنعه أحيانًا. طريقة التغطية، زاوية الالتقاط، العناوين المختارة، كلها عناصر تشكل وعي الجمهور. التركيز المفرط على الشكل، أو على كون الحدث “سابقًا لأول مرة”، دون الغوص في دلالاته المؤسسية، يعزز النظرة الاستعراضية للعمل السياسي، ويضعف ثقافة المحاسبة.
كما أن مواقع التواصل الاجتماعي، رغم كونها مساحة للتعبير الحر، كشفت عن هشاشة الخطاب العام تجاه المرأة الناجحة. نجاح المرأة ما زال يربك الكثيرين، فيتم التعامل معه إما بالتشكيك، أو بالتقليل، أو بالتشييء. قليلون فقط ينتقلون مباشرة إلى السؤال الجوهري: ماذا ستقدم؟ وكيف ستحاسب؟ وما هي أدواتها؟
ولا يمكن إغفال محور مهم يتعلق بالسن. صِغر العمر يُستخدم أحيانًا كسلاح مزدوج، ضد النساء أكثر من الرجال. الشاب الرجل يُحتفى به كطاقة جديدة، والمرأة الشابة تُحاصر بالأسئلة حول الخبرة والاستحقاق، وكأن الخبرة حكر على أعمار بعينها، وكأن العمل السياسي لا يعرف التعلم والتطور. البرلمان ليس ناديا لكبار السن، ولا منصة للشباب فقط، بل مساحة للتكامل بين التجربة والحيوية.
القضية في جوهرها ليست دفاعًا عن نائبات بعينهن، ولا تبريرًا لأداء لم يُختبر بعد. القضية أعمق من ذلك. هي دفاع عن معيار واحد يجب أن يحكم الجميع: معيار الأداء. أن نمنح الفرصة، ثم نحاسب بعدل. أن نراقب القوانين التي تُقترح، والمواقف التي تُتخذ، واللغة التي تُستخدم تحت القبة، لا أن ننشغل بتفاصيل لا تضيف شيئًا إلى الصالح العام.
“الصوت الشتوي” تحت قبة البرلمان، إن جاز التعبير، ليس صوتًا ناعمًا ولا زينة موسمية. هو صوت يحمل برودة العقل، وهدوء الحساب، ووضوح الرؤية. صوت لا يُقاس بدرجة ارتفاعه، بل بقدر ما يتركه من أثر. المرأة، كما الرجل، قادرة على أن تكون هذا الصوت، إذا أُتيحت لها المساحة العادلة، وإذا تعاملنا معها بوصفها فاعلًا سياسيًا لا مادة للجدل الاجتماعي.
في النهاية، المجتمعات لا تتقدم بعدد النساء في البرلمانات فقط، ولا بعدد الرجال أيضًا، بل بمدى نضجها في تقييم من يجلسون تحت القبة. العبرة بالأداء، وحده، وما عداه ضجيج يؤجل معركة الوعي ولا يحسمها.
الأكثر قراءة
-
إيه السبب؟.. القصة الكاملة للقبض على صبري نخنوخ وشقيقه بالقاهرة
-
مليون جنيه و3 سيارات ومشغولات ذهبية.. قائمة مضبوطات بحوزة صبري نخنوخ وأعوانه
-
كيف تحل مشكلة توقف البريد المدرسي الموحد قبل انطلاق امتحانات الثانوية؟
-
10800 جنيه شهريًا.. تفاصيل أعلى شهادات الادخار بالبنوك المصرية
-
المصنعية تقفز 10% يوليو المقبل.. أزمة جديدة تضرب الذهب
-
إنقاذ قرية بالفيوم من كارثة بعد اشتعال النيران بجوار محول كهرباء
-
إصابة 4 أشخاص في انقلاب سيارة أجرة بالفيوم
-
النقل: تحطم عربة ربع نقل بعد محاولتها اقتحام مزلقان ميت حلفا المغلق
مقالات ذات صلة
أخطاء صغيرة في العيد.. تبقى في ذاكرة الزواج سنوات
29 مايو 2026 07:59 ص
الرجل بين امرأتين.. يبحث في كل واحدة عن رجل مختلف داخله
22 مايو 2026 10:05 ص
لماذا يملّ بعض الرجال بعد الوصول للمرأة التي طاردوها طويلًا؟
15 مايو 2026 08:16 ص
المرأة لا تتغير فجأة.. هي فقط تصل لمرحلة لا تجد فيها قلبها القديم
08 مايو 2026 11:01 ص
بين الاحتياج والكبرياء.. لماذا نخسر من نحب دون معركة واضحة؟
01 مايو 2026 03:58 م
أحببتك أكثر مما يجب.. فغبت أكثر مما يُحتمل
24 أبريل 2026 08:22 ص
بين لحظة ضعف وقرار لا عودة منه.. لماذا يختار البعض الرحيل ويترك كل شيء خلفه؟
17 أبريل 2026 07:51 ص
عند غياب الاحتياج المادي.. من يقود العلاقة حقًا؟
10 أبريل 2026 10:13 ص
أكثر الكلمات انتشاراً