الجمعة، 27 فبراير 2026

11:54 ص

"اتنين غيرنا".. امنحني الأمان أيها الرجل الناضج

هناك أعمال فنية تمر مرورًا عاديًا، وهناك أعمال تمسك بالقلب من أول مشهد، لا لأنها صاخبة أو مستفزة، بل لأنها هادئة بقدر الصدق. مسلسل «اتنين غيرنا» ينتمي إلى الفئة الثانية. عمل اجتماعي عاطفي رومانسي، من بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني، لكنه في حقيقته ليس مجرد حكاية حب بين رجل وامرأة، بل حكاية عن الصدفة، عن الأمان، عن الرجولة الهادئة، وعن امرأة وجدت أخيرًا مساحة تسمح لها أن تكون نفسها بلا خوف.

الصدفة هي البطل

إياك أن تستهين بالصدفة، فقد تكون هي حب عمرك. كم من علاقة بدأت بلا تخطيط، بلا حسابات مسبقة، بلا قوائم شروط؟ الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نرتب له، لكنها أحيانًا تمنحنا ما يشبه المعجزة الصغيرة. شخصان يمشيان في طريقين متوازيين، لكل منهما وجعه الخاص، تاريخه، تحفظاته، مخاوفه، ثم تضعهما الدنيا في سكة واحدة. ليس ليتغيرا قسرًا، بل ليكتشف كل منهما نفسه في الآخر.

الفكرة ليست أن نصبح نسخة من بعضنا، بل أن نجد الجزء الضائع فينا متجسدًا أمام أعيننا.
كنا اتنين غيرنا، والدنيا خدتنا في سكة واحدة، لا علشان نتغير، بل علشان نلاقي نفسنا في بعض.

العمل يعزف منفردًا بجدارة. لا يعتمد على صخب، ولا على مشاهد خارجة عن سياق الاحترام، ولا على ألفاظ مستفزة لجذب الانتباه. في وقت نفتقد فيه هذا النوع من الرقي في بعض الأعمال، يأتي هذا المسلسل وكأنه يعلن أن الرومانسية لا تحتاج إلى ابتذال، وأن العاطفة الصادقة لا تحتاج إلى صراخ. ببساطة، المسلسل واخد المود في حتة تانية… حتة هادئة، ناعمة، تشبه همسة صادقة في أذن قلبك.

أسر ياسين يقدم هنا صورة لرجل يبدو كما لو كان من زمن الرجولة الشيك والهدوء والرزانة. رجل لا يرفع صوته ليؤكد حضوره، ولا يتباهى بمشاعره، لكنه يعرف جيدًا متى يتكلم ومتى يصمت. الرجولة في هذا العمل ليست استعراض قوة، بل احتواء. ليست قسوة، بل طمأنة. ليست سيطرة، بل قدرة على حماية مشاعر امرأة قالت له ببساطة: «أرجوك بلاش توجعني».

مشهد يختصر الكثير

امرأة تطلب ألا تُوجع. لا تقصد وجع الجسد، بل وجع التعلق، وجع الخذلان، وجع أن تفتح قلبك ثم تجد نفسك وحيدة. هو يرد عليها: «استحالة أوجعك». جملة تبدو بسيطة، لكنها ثقيلة المعنى. لأن أي امرأة تعرف أن الوجع لا يأتي دائمًا من نية سيئة، بل أحيانًا من تغيّر الإحساس، من فتور المشاعر، من حلاوة بدايات لا تكمل الطريق.

وهنا يطرح المسلسل سؤالًا مشروعًا: هل سيظل متمسكًا بوعده؟ أم أن بعض الوعود تكون جميلة لأنها قيلت في ذروة المشاعر؟ هذا التوتر الدرامي لا يقوم على خيانة أو صدمة، بل على هشاشة الإحساس الإنساني نفسه. فالمشاعر كائن حي، تحتاج إلى رعاية، إلى وعي، إلى اختيار متجدد كل يوم.

لكن هناك مشهد آخر يكشف عمق شخصية هذا الرجل، حين يقول لها: «إنتِ تستحقي تتحبي… تستحقي ترتاحي… تستحقي تتحضني». هذه العبارات ليست مجرد كلمات رومانسية تُقال لإرضاء أنثى، بل انعكاس مباشر لرجل ناضج، عقلاني، رومانسي، يمتلك مشاعر متوازنة. الرجل الناضج لا يحب ليُثبت رجولته، بل يحب لأنه قادر على العطاء دون خوف. عقلانيته لا تعني برودًا، بل تعني أنه يعرف قيمة الاستقرار النفسي، فلا ينجرف خلف تقلبات لحظة، ولا يهرب من مسؤولية إحساس. رومانسيته ليست استعراضًا، بل قدرة على التعبير الآمن عن مشاعره. وعاطفته المتوازنة تجعله لا يغرق في المبالغة، ولا يقسو بدعوى الصلابة.

حين يقول لها «تستحقي تتحبي»، فهو يعيد ترميم صورتها عن نفسها. كثير من النساء يدخلن العلاقات وهنّ يحملن شكًا دفينًا في استحقاقهن للحب. هذه الجملة وحدها تعيد ترتيب الداخل. «تستحقي ترتاحي» تعني أن وجوده ليس عبئًا إضافيًا على قلبها، بل مساحة أمان. «تستحقي تتحضني» ليست دعوة لعناق جسدي فقط، بل احتواء نفسي، اعتراف بحاجة الإنسان إلى الطبطبة دون خجل. هنا يحدث التحول الحقيقي: المرأة لا تحب الرجل فقط، بل تحب الحب نفسه، لأنه جاءها في صورة متزنة، مطمئنة، لا تخيفها ولا تستنزفها. شخصية الرجل وتوازنه العاطفي هما الجسر الذي عبرت عليه من الخوف إلى الثقة. فالعقلانية تضبط الإيقاع، والرومانسية تمنح الدفء، والنضج يحفظ الحدود، والتوازن يجعل الاحتواء فعلًا يوميًا لا وعدًا عابرًا.

اللافت أيضًا أن العمل يخلو من الألفاظ السخيفة أو المشاهد التي تجرح الذوق العام. الكلمات هادئة، ناعمة، سلسة. الحوار ليس مجرد نص محفوظ، بل حالة يعيشها الاثنان. تعبيرات عفوية، نظرات صادقة، جمل تقطر حبًا دون تكلف. تشعر أن الكاميرا لم تلتقط تمثيلًا، بل لحظة حقيقية بين روحين.

جوهر الحكاية: الأمان

هي مطمئنة لأنها وجدت معه شيئًا لم تجده من قبل. الأمان ليس كلمة رومانسية تُقال، بل حالة نفسية عميقة. أن أستطيع أن أظهر خوفي، لخبطي، غيرتي، ضعفي، دون أن أخشى السخرية أو التقليل. أن أتكلم عن عقدي القديمة دون أن يُمسكها الطرف الآخر كسلاح ضدي. أن أكون على طبيعتي، بلا رتوش، بلا تصنّع جمال أو مشاعر.

كثيرات يعتقدن أن الرجل ينجذب إلى المرأة المتكلفة، شديدة الحرص على صورتها، المبالغة في إظهار القوة أو الجمال. لكن الحقيقة النفسية تقول إن الرجال يحبون المرأة العفوية التامة. المرأة التي لا تتصنع الكلام، ولا تتجمل بالمبالغة، ولا تختلق شخصية ليست لها. العفوية ليست فوضى، بل صدق. والصدق هو أكثر ما يجذب الرجل الناضج.

دينا الشربيني تجسد هنا امرأة كانت تخاف الحب. امرأة تخشى أن تقترب كي لا تُجرح. وهذا نموذج متكرر في واقع كثير من النساء. الخوف من الحب لا يعني كراهية المشاعر، بل يعني تجربة سابقة تركت أثرًا عميقًا. هي تصارحه بأنه هو الذي جعلها تحب الحب. جملة في ظاهرها رومانسية، لكنها في العمق اعتراف بأن الأمان هو ما أعادها إلى الحياة.

لأن المرأة لا تخاف الحب ذاته، بل تخاف أن تُترك بعد أن تتعلق. تخاف أن تستثمر قلبها في علاقة لا تكتمل. تخاف أن تمنح ثقتها لشخص لا يقدّر هشاشتها. فإذا جاء رجل يعرف كيف يختار مواقفه وكلامه معها، يعرف متى يحتوي ومتى ينسحب، متى يمزح ومتى يصمت، فإن شيئًا غريبًا يحدث بداخلها. يحدث التحول.

يمكن تلخيص إحساس أي امرأة وجدت الأمان في علاقة في جملة واحدة:
«أنت حولتني من أكتر ست قلقانة في الدنيا لواحدة تانية عندها مخزون أمان يكفي العالم ويفيض».

هذا التحول ليس بسيطًا. هو انتقال من حالة دفاع دائم إلى حالة سكون داخلي. من توتر إلى طمأنينة. من توقع الأسوأ إلى انتظار الأفضل. عندها فقط تتمنى المرأة أن تختبئ وراء سند هذا الرجل، لا هروبًا من العالم، بل ثقة أن هناك ظهرًا يحميها إن مالت الأيام.

المسلسل لا يقدم حبًا مثاليًا خاليًا من الأسئلة، لكنه يقدم نموذجًا لعلاقة تقوم على الاحترام. لا صراخ، لا ابتذال، لا استعراض ذكوري فارغ. فقط رجل وامرأة يعيشان حالة مشاعرية حقيقية. وهذا في حد ذاته رسالة فنية مهمة: أن الرومانسية يمكن أن تكون راقية، وأن الدراما لا تحتاج إلى تجاوز كي تُمس القلوب.

ليس مجرد عنوان، بل فلسفة


فالعلاقة الحقيقية لا تذيب الفروق بين شخصين، بل تحتضنها. لا تلغي الاختلاف، بل تجعله مساحة تكامل. اثنان كان لكل منهما طريقه، ثم التقيا. ليس المطلوب أن يتنازل أحدهما عن ذاته، بل أن يتسع كل منهما للآخر.

يبقى السؤال المفتوح: هل تكفي النوايا الطيبة للحفاظ على وعد «استحالة أوجعك»؟ أم أن الحب يحتاج إلى أكثر من مشاعر جميلة؟ يحتاج إلى وعي، إلى نضج، إلى إدراك أن الأمان مسؤولية. أن قلب المرأة الذي اطمأن ليس لعبة يمكن اختبارها، وأن الرجل الذي قال وعدًا عليه أن يختار كل يوم أن يكون على قدره.

المسلسل يذكرنا أن الحب ليس معركة، بل ملاذ. ليس استعراضًا، بل سكون. ليس كلمات كبيرة، بل أفعال صغيرة متكررة. نظرة مطمئنة، رسالة في وقتها، اعتذار صادق، احتواء في لحظة ضعف.

ربما لهذا السبب نشعر ونحن نتابعه أننا أمام عمل مختلف. ليس لأنه يصرخ بأنه مختلف، بل لأنه ببساطة صادق. يعيد تعريف الرومانسية بعيدًا عن المبالغات، ويعيد تقديم الرجولة بوصفها رقيًا وهدوءًا وقدرة على الاحتواء.

وفي النهاية، قد لا تكون الصدفة مجرد لقاء عابر. قد تكون ترتيبًا خفيًا لحكاية كان لا بد أن تبدأ. شخصان غيرا مسار بعضهما، لا ليصبحا نسخة واحدة، بل ليصبح كل منهما أكثر اكتمالًا.

اثنين غيرنا…
لكن ربما، بفضل الحب، أصبحنا أقرب إلى أنفسنا من أي وقت مضى.

رابط مختصر

تابعونا على

search