الأحد، 22 فبراير 2026

12:04 ص

الصيام عن القسوة.. كيف يعيد رمضان تهذيب العلاقة بين الرجل والمرأة؟

ليس الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو تدريب يومي على كبح النزعة الأولى، على تهذيب الاندفاع، على إعادة ترتيب الداخل قبل الخارج. وفي العلاقات الإنسانية، خاصة العلاقة بين الرجل والمرأة، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الصيام؛ صيامٍ عن القسوة، عن الجفاف، عن الكلمات التي تخرج بلا حساب فتترك في القلب ندوبًا لا يراها أحد.

رمضان لا يغيّر طباع البشر فجأة، لكنه يضعهم أمام مرآة أكثر صفاء. يوقظ فيهم سؤالًا بسيطًا وعميقًا: إذا كنت أستطيع أن أمنع نفسي عن لقمة أحبها امتثالًا لأمر الله، فلماذا لا أستطيع أن أمنع لساني عن كلمة جارحة؟ إذا كنت أتحمل العطش ساعات طويلة، فلماذا لا أتحمل لحظة صمت أراجع فيها انفعالي قبل أن أجرح شريك حياتي؟

القسوة في العلاقات لا تبدأ بالصراخ، بل تبدأ بالتجاهل. تبدأ ببرود الرد، بتأجيل الاحتواء، بالتقليل من شأن المشاعر، بالاعتياد على وجود الآخر حتى يصبح حضوره كأنه تفصيل لا يُلتفت إليه. والرجل قد يقسو دون أن يقصد، لأنه تعلم أن الصلابة دليل قوة، وأن كثرة التعبير العاطفي انتقاص من رجولته. والمرأة قد تقسو أيضًا، عبر تراكم العتاب غير المعلن، وعبر انسحابها الصامت الذي يبدو هدوءًا لكنه في الحقيقة احتجاج داخلي.

رمضان يفتح نافذة مختلفة على هذه التفاصيل. الصائم يصبح أكثر وعيًا بنبرته، أكثر حذرًا من غضبه، أكثر انتباهًا لرد فعله. يسمع الأذان فيتذكر أن الرحمة قيمة عليا، وأن الله الذي يرجو عفوه لا بد أن يتعلم منه العفو في بيته أولًا. هنا يبدأ التحول الحقيقي؛ ليس في عدد الركعات، بل في عدد المرات التي اختار فيها الإنسان أن يكون لينًا بدل أن يكون قاسيًا.

الرجل الذي يعود من عمله متعبًا، صائمًا، مثقلًا بالمسؤوليات، يملك خيارين: أن يفرغ إرهاقه في كلمات حادة، أو أن يطلب لحظة هدوء قبل أن يتحدث. والمرأة التي أنهكها إعداد الطعام وترتيب البيت ورعاية الأبناء، تملك الخيار نفسه: أن تستقبل توتره بتوتر مضاعف، أو أن تتعامل معه باعتباره شريكًا في التعب لا خصمًا في معركة يومية. الصيام يمنح كليهما فرصة نادرة لتجربة ضبط النفس بوصفه عبادة، لا تنازلًا.

العلاقة بين الرجل والمرأة لا تحتاج إلى معجزات بقدر ما تحتاج إلى تهذيب مستمر. والتهذيب لا يأتي من النصائح المباشرة بقدر ما يأتي من التجربة. رمضان تجربة جماعية في كبح الرغبات. هذه الروح لو انتقلت من علاقة الإنسان بالطعام إلى علاقته بالكلمات، لتغير الكثير. كم من بيت تشتعل فيه خلافات لأسباب تافهة، لا لأن المشكلة كبيرة، بل لأن رد الفعل كان أكبر من حجمه الطبيعي. الصيام يعيد الأمور إلى حجمها الحقيقي؛ يذكّر الإنسان بأن كل شيء عابر إلا أثره في قلوب الآخرين.

هناك بُعد آخر أكثر عمقًا. الصيام يضع الإنسان في حالة احتياج. يشعر بالجوع، بالعطش، بالضعف. هذه الحالة تخلق تعاطفًا داخليًا، تجعله أقرب لفهم احتياجات غيره. الرجل الذي يشعر بضعفه الجسدي قد يصبح أكثر قدرة على رؤية ضعف زوجته النفسي. والمرأة التي تختبر صبرًا طويلًا قد تدرك حجم الضغوط التي يحملها زوجها بصمت. هذا الإدراك المتبادل هو بذرة الرحمة.

في رمضان تتكثف لحظات الاجتماع: مائدة الإفطار، صلاة التراويح، الدعاء المشترك، الزيارات العائلية. هذه اللحظات يمكن أن تكون مجرد طقوس شكلية، ويمكن أن تتحول إلى مساحة لإعادة بناء العلاقة. الجلوس على مائدة واحدة لا يكفي، لكن الجلوس بقلب حاضر يصنع فرقًا. أن ينظر الرجل إلى زوجته ويشكرها بصدق على تعبها، أن تبادره هي بكلمة تقدير على جهده، هذه التفاصيل الصغيرة تعيد ترميم مساحات تصدعت بهدوء عبر العام.

القسوة أحيانًا ليست في الفعل بل في الغياب. غياب الاهتمام، غياب السؤال، غياب الاحتواء. ورمضان يذكّر الإنسان بمعنى الحضور؛ حضور القلب في الصلاة، حضور النية في العبادة، حضور الروح في الدعاء. وإذا تعلّمنا حضورًا حقيقيًا مع الله، يصبح من المنطقي أن نتعلم حضورًا صادقًا مع من نعيش معهم تحت سقف واحد. لا معنى لخشوع في المسجد يقابله جفاء في البيت.

بعض الرجال يظنون أن توفير المال هو أقصى درجات العطاء، وبعض النساء يظنن أن القيام بالواجبات المنزلية هو ذروة التضحية. كلاهما صحيح جزئيًا، لكنه لا يغني عن الدفء. الدفء كلمة، نظرة، لمسة، اعتذار، مبادرة. الصيام يعلّم الإنسان أن القيمة ليست في الكثرة بل في الإخلاص. تمرات قليلة تكفي لبدء الإفطار، لكن كلمة صادقة قد تكفي لبدء مرحلة جديدة في العلاقة.

الجميل في هذا الشهر أنه يضع الجميع في حالة مراجعة. يسأل الإنسان نفسه: ماذا قدمت؟ ماذا أخطأت؟ ماذا أصلحت؟ لو امتدت هذه المراجعة إلى العلاقة الزوجية، لتغيرت المعادلة. بدل أن ينشغل كل طرف بإحصاء أخطاء الآخر، ينشغل بإحصاء فرص التقصير من جانبه. هنا يتحول الصيام إلى مدرسة أخلاقية، لا مجرد فريضة مؤقتة.

المرأة بطبيعتها تميل إلى التفاصيل، والرجل يميل إلى النتائج. في رمضان، التفاصيل هي التي تصنع النتائج: ترتيب الوقت، تنظيم اليوم، الاستعداد للإفطار، الاستيقاظ للسحور. هذا التعاون اليومي قد يكون فرصة لفهم أعمق للاختلاف بينهما. ليس المطلوب أن يتشابه الطرفان، بل أن يدرك كل منهما قيمة ما يقدمه الآخر. التقدير يخفف حدة الخلاف، ويمنع القسوة من التسلل.

هناك بعد روحي لا يمكن تجاهله. في شهر يتجلى فيه معنى الرحمة الإلهية، يصبح من المؤلم أن تغيب الرحمة بين زوجين. كيف يرجو الإنسان المغفرة وهو يصر على عناده؟ كيف يطلب السكينة وهو يزرع القلق في قلب أقرب الناس إليه؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بصوت عالٍ، لكنها تحضر في لحظات الصفاء بعد صلاة، أو أثناء دعاء طويل في جوف الليل. الصدق مع النفس قد يقود إلى مصالحة حقيقية.

القسوة ليست دائمًا شرًا متعمدًا، أحيانًا هي دفاع عن جرح قديم. الرجل الذي يبدو صارمًا قد يخفي خوفًا من الفشل، والمرأة التي تبدو كثيرة العتاب قد تخفي خوفًا من الإهمال. الصيام يهدئ هذا الخوف؛ لأنه يعيد الإنسان إلى بساطته الأولى، إلى احتياجه العاري أمام خالقه. من يدرك ضعفه يسهل عليه أن يلين، ومن يلين يسهل عليه أن يحب بطريقة أنضج.

رمضان لا يعالج كل الأزمات، لكنه يمنح فرصة ذهبية لإعادة الضبط. شهر كامل من التدريب على الصبر، على التحكم، على مراجعة النية. لو استثمر الزوجان هذا التدريب، يمكن أن يخرجا بعلاقة أكثر هدوءًا، أكثر نضجًا، أكثر وعيًا بأن الحب ليس شعورًا عابرًا، بل سلوك يومي يحتاج إلى تهذيب مستمر.

العلاقة الناجحة ليست خالية من الخلاف، لكنها خالية من الإصرار على الإيذاء. والصيام عن القسوة يعني أن أختار كلماتي، أن أراعي تعب شريكي، أن أقدّر جهده، أن أعتذر إذا أخطأت، أن أتنازل أحيانًا دون شعور بالهزيمة. هذا النوع من الصيام قد يكون أصعب من الامتناع عن الطعام، لكنه أكثر أثرًا في استقرار البيوت.

في النهاية، رمضان ليس محطة عابرة، بل رسالة متكررة كل عام: الإنسان قادر على التغيير إذا أراد. وإذا كان قادرًا على تغيير عاداته الغذائية لشهر كامل، فهو قادر على تغيير عاداته السلوكية أيضًا. الصيام عن القسوة قد يبدأ بمحاولة صغيرة، لكنه يمتد أثره طويلًا. بيت يسوده اللين أقرب إلى الطمأنينة، وقلب يتعلم الرحمة أقرب إلى الله. ومن هنا، يصبح رمضان ليس فقط موسم عبادة، بل موسم إنقاذ للعلاقات التي أنهكها الجفاف، وفرصة حقيقية لإعادة تهذيب الحب ليعود كما ينبغي: رحيمًا، متزنًا، ومسؤولًا.

search