الجمعة، 16 يناير 2026

05:34 م

الرحلة المقدسة كدرس إنساني في ترميم الروابط الأسرية

ليلة الإسراء والمعراج ليست مناسبة دينية تُستعاد بالذاكرة فقط، ولا حدثًا غيبيًا نمرّ عليه باحترام عابر، بل هي لحظة تأسيس عميقة في الوعي الإنساني قبل أن تكون معجزة في السيرة النبوية. ليلة حملت في جوهرها رسائل تتجاوز حدود العقيدة الفردية، لتصل إلى بنية المجتمع، وفي قلبها الأسرة، باعتبارها النواة الأولى لأي تماسك إنساني أو تفكك قادم.

في هذه الليلة، كان النبي ﷺ يمرّ بواحدة من أشد مراحل حياته قسوةً. فقد الأحباب، وضاقت الأرض، وتراكم الأذى، حتى بدا أن كل الروابط الإنسانية من حوله قد تهشّمت. في ذروة هذا الانكسار الإنساني جاءت الرحلة، لا كتكريم روحي فحسب، بل كإعادة بناء داخلية، تؤكد أن الانقطاع الأرضي لا يعني الفقد الكلي، وأن الروابط الأعمق لا تُقاس فقط بما نراه أو نعيشه يوميًا.

من هنا تبدأ أولى الإشارات التي يمكن ربطها بالأسرة. الأسرة، مثل الإنسان، تمرّ بلحظات ضعف، وفقد، وسقوط في التعب. تمرّ بأوقات يشعر فيها أفرادها أن التواصل انقطع، وأن المعنى تآكل، وأن الحب لم يعد كافيًا لسد الفجوات. لكن الإسراء والمعراج يقول لنا إن الانكسار ليس نهاية الطريق، وإن أقسى المراحل قد تكون مقدمة لعبور جديد، أكثر وعيًا وأعمق اتصالًا.

الرحلة بدأت من البيت، من المسجد الحرام، وانتهت بالسموات العلا. وهذا التسلسل ليس تفصيلًا عابرًا. كأن الرسالة تقول إن الانطلاق إلى الأعلى لا يتم إلا من أرض ثابتة. والأسرة هي هذه الأرض. البيت الذي يُبنى على السكينة، لا على الصراع الدائم، هو وحده القادر على أن يكون نقطة انطلاق لا نقطة استنزاف. البيت الذي يُدار بالعنف أو الإهمال أو الكتمان المؤذي، يثقل الأرواح بدل أن يرفعها.

وفي أثناء الرحلة، التقى النبي ﷺ بالأنبياء، في مشهد رمزي بالغ الدلالة. لقاء، واعتراف، وتواصل، وتكامل أدوار. هذه الصورة تقدم نموذجًا راقيًا للعلاقات الإنسانية، يقوم على التقدير المتبادل، لا التنافس، وعلى الشراكة لا الإقصاء. وهو ما تفتقده كثير من العلاقات الأسرية اليوم، حيث يتحول الاختلاف إلى صراع، والرأي الآخر إلى تهديد، والقيادة داخل الأسرة إلى ساحة إثبات قوة لا مساحة احتواء.

ثم تأتي الصلاة، الفريضة التي شُرعت في السماء، لتكون الرابط اليومي بين الإنسان وربه. الصلاة ليست مجرد عبادة فردية، بل نظام حياة. وإذا نظرنا إليها من زاوية أسرية، سنجد أنها أول تدريب عملي على الانضباط، والالتزام، والموعد المشترك. الأسرة التي تجتمع على قيمة، أيًّا كانت، تمتلك فرصة أعلى للتماسك. والأسرة التي تفقد القيم الجامعة، حتى وإن كثرت التفاصيل المشتركة، تعيش حالة تفكك صامت.

الصلاة في سياق الإسراء والمعراج تعلّمنا أن العلاقة بالله لا تنفصل عن علاقتنا بالناس. وأن السمو الروحي لا يكتمل مع القسوة داخل البيوت، ولا مع الظلم بين الأزواج، ولا مع القطيعة بين الآباء والأبناء. لا معنى لرحلة إلى السماء بينما الأرض داخل البيت مليئة بالجراح غير المعالجة.

من الدروس العميقة في هذه الليلة أيضًا فكرة التدرّج. فرض الصلاة بدأ بخمسين، ثم خُففت إلى خمس، وبقي الأجر. هذا التدرج يحمل حكمة نفسية واجتماعية بالغة الأهمية. الأسرة لا تُبنى بالقفز فوق المراحل، ولا بالإصلاح المفاجئ، ولا بالشعارات الكبيرة. تُبنى بالصبر، وبالتدرج في التغيير، وبفهم قدرة كل فرد على التحمل. العلاقات التي تطلب الكمال دفعة واحدة، غالبًا ما تنهار سريعًا.

الإسراء والمعراج يقدمان أيضًا نموذجًا للعلاقة بين الألم والارتقاء. لم تأتِ الرحلة بعد انتصار، بل بعد فقد. وهذا درس مهم للأسرة المعاصرة التي تعيش وهم أن الاستقرار لا يأتي إلا بعد أن تختفي المشكلات. الحقيقة أن النضج الأسري يولد أحيانًا من قلب الأزمات، إذا وُجد الوعي، والنية الصادقة للإصلاح، والقدرة على التعلم من الألم بدل إنكاره.

في مجتمعاتنا، نميل إلى التعامل مع المناسبات الدينية بوصفها طقوسًا موسمية. نحتفي بالذكرى، ثم نعود إلى أنماط العلاقات ذاتها، بنفس الأخطاء، ونفس الصمت، ونفس العنف المغلف بالعادات. بينما القيمة الحقيقية لأي مناسبة دينية تكمن في قدرتها على إعادة طرح الأسئلة الكبرى: كيف نحب؟ كيف نختلف؟ كيف نُصلح؟ وكيف نحمي روابطنا من التآكل؟

الأسرة اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة. ضغوط اقتصادية، تسارع إيقاع الحياة، هيمنة الشاشات، تآكل الحوار الحقيقي. في ظل هذه التحديات، يصبح استدعاء معاني الإسراء والمعراج ضرورة تربوية ونفسية، لا ترفًا وعظيًا. ضرورة تذكّرنا بأن الروح تحتاج إلى رحلة، وأن العلاقات تحتاج إلى لحظة صعود، لا هروبًا من الواقع، بل إعادة ترتيب له.

الترابط الأسري لا يُقاس بعدد الجلسات المشتركة، ولا بكثرة الصور العائلية، بل بقدرة الأسرة على أن تكون مساحة أمان. أن يشعر كل فرد أنه مسموع، ومقبول، وغير مضطر لارتداء أقنعة داخل بيته. الإسراء والمعراج، في جوهرهما، يؤكدان أن الله يكرم الإنسان في ضعفه، ويأخذه بيده عندما تضيق السبل. فهل نفعل الشيء ذاته داخل أسرنا؟

الأسرة التي تستلهم من هذه الليلة معنى الرفق، ومعنى الصبر، ومعنى السعي إلى الأعلى دون سحق من هم حولنا، هي أسرة تمتلك فرصة حقيقية للاستمرار. أسرة تفهم أن القيادة ليست سيطرة، وأن القوامة ليست قهرًا، وأن الطاعة ليست إلغاءً للذات، بل توازنًا دقيقًا بين الحقوق والواجبات.

في النهاية، ليلة الإسراء والمعراج ليست حكاية بعيدة عن واقعنا اليومي، بل مرآة روحية لما نحتاجه داخل بيوتنا. نحتاج إلى رحلة من القسوة إلى الرحمة، ومن الصمت المؤذي إلى الحوار، ومن التفكك إلى المعنى. نحتاج إلى أن نعيد بناء أسرنا لا على الخوف أو العادة، بل على وعي يُدرك أن الارتقاء الحقيقي يبدأ من الداخل، ومن أقرب دائرة تحيط بنا: الأسرة.

search