التربية العاطفية الغائبة وأثرها في الاختيارات
لا يتعلم الإنسان الاختيار فجأة عند أول علاقة حب، ولا يكتشف مشاعره للمرة الأولى وهو بالغ. ما يحدث في الحقيقة أن كثيرين يصلون إلى مرحلة الاختيار وهم يملكون عقلًا قادرًا على التحليل، لكنهم يفتقرون إلى قلب مُدرَّب على الفهم. التربية العاطفية، تلك الحلقة المنسية في مسار التنشئة، تترك فراغًا واسعًا لا يظهر إلا عند أول مفترق طرق عاطفي، عند أول قرار مصيري، عند أول اختبار حقيقي للقرب والالتزام.
ننشأ على تعليم السلوك، والانضباط، والنجاح، والخوف من الخطأ، لكن نادرًا ما نتعلم كيف نفهم مشاعرنا، أو نسمّيها، أو نتعامل معها دون إنكار أو تهويل. يكبر الطفل وهو يعرف ما هو الصواب وما هو الخطأ، لكنه لا يعرف ماذا يفعل بالخوف، ولا كيف يعبّر عن الاحتياج، ولا كيف يفرّق بين الحب والتعلّق، أو بين الشغف والاعتماد العاطفي.
غياب التربية العاطفية لا يعني غياب الحب في البيوت، بل يعني غياب اللغة. كثير من الآباء والأمهات يحبون أبناءهم بصدق، لكنهم لا يعرفون كيف يعلّمونهم التعبير، ولا كيف يفتحون مساحة آمنة للأسئلة والمشاعر المتناقضة. فيكبر الأبناء وهم يشعرون بالكثير، لكنهم لا يفهمون ما يشعرون به، فيتحول الإحساس إلى عبء بدل أن يكون دليلًا.
هذا الغياب ينعكس مباشرة على الاختيارات، خصوصًا الاختيارات العاطفية. من لم يتعلم فهم نفسه، يختار غالبًا من يربكه لا من يناسبه، ومن لم يتعلم وضع حدود، ينجذب إلى علاقات تستهلكه، ومن لم يتعلم التمييز بين الأمان والاعتياد، قد يبقى في علاقة مؤذية لأنه اعتاد الألم أكثر من الطمأنينة.
التربية العاطفية لا تعني تدليلًا زائدًا، ولا تعني حماية الطفل من كل مشاعر الحزن أو الخيبة، بل تعني مرافقة المشاعر لا قمعها. تعني أن يُقال للطفل: ما تشعر به مفهوم، وأن يُعلَّم كيف يعبّر دون إيذاء نفسه أو الآخرين. هذا النوع من التربية يخلق بالغًا يعرف ما يريد، ويعرف أيضًا ما لا يريده، ولا يشعر بالذنب لأنه اختار نفسه.
في المقابل، الغياب العاطفي في التربية يخلق فراغًا داخليًا يبحث عن الامتلاء في العلاقات. فيصبح الحب محاولة إنقاذ، والعلاقة مشروع علاج، والشريك مسؤولًا عن تعويض نقص قديم. هنا تتحول الاختيارات إلى ردود فعل، لا قرارات واعية. يختار الشخص من يمنحه اهتمامًا مبالغًا فيه، أو من يعيد إنتاج علاقة مألوفة مهما كانت مؤلمة، فقط لأنها تشبه ما عرفه سابقًا.
كثير من العلاقات تبدأ بحماس شديد ثم تنهار سريعًا، ليس بسبب سوء النوايا، بل بسبب سوء الفهم. طرف يتوقع من الحب أن يشفيه، وطرف آخر يهرب من العمق لأنه لم يتعلم الاقتراب الآمن. هذا التصادم ليس عيبًا أخلاقيًا، بل نتيجة طبيعية لفراغ عاطفي لم تتم معالجته مبكرًا.
التربية العاطفية الغائبة تجعل الشخص يخلط بين المشاعر. يظن الغيرة حبًا، والتعلق شغفًا، والسيطرة اهتمامًا. لا يملك أدوات التمييز، فيقع في اختيارات تبدو عاطفية لكنها في جوهرها غير ناضجة. ومع تكرار التجربة، يبدأ في فقدان الثقة بنفسه، لا لأنه سيئ الاختيار، بل لأنه لم يتعلم كيف يختار أصلًا.
حتى الرفض، لم نتعلمه. كثيرون يدخلون علاقات لا يريدونها، فقط لأنهم لا يعرفون كيف يقولون لا دون شعور بالذنب. التربية العاطفية السليمة تعلّم الإنسان أن الرفض حق، وأن الانسحاب أحيانًا شكل من أشكال احترام الذات. غياب هذا المفهوم يجعل الاختيارات مرهقة، ومليئة بالتنازلات غير الصحية.
الأمر لا يتوقف عند العلاقات العاطفية فقط، بل يمتد إلى اختيارات الحياة كلها. الوظيفة، الصداقة، الشراكات، كلها تتأثر بقدرتنا على فهم مشاعرنا واحتياجاتنا. من لم يتعلم الاستماع لنفسه، يختار ما يُرضي الآخرين، ثم يتساءل لاحقًا عن سبب شعوره بالفراغ.
اللافت أن كثيرين يكتشفون هذا الخلل متأخرًا، بعد تجارب موجعة، وبعد قرارات مكلفة نفسيًا. يبدأ الوعي في الظهور مع السؤال المؤلم: لماذا أكرر النمط نفسه؟ لماذا أنجذب لنفس النوع من العلاقات؟ ولماذا أشعر بعدم الارتياح حتى في اختيارات يفترض أنها صحيحة؟ الإجابة غالبًا تعود إلى جذور لم يتم الالتفات إليها مبكرًا.
التربية العاطفية لا تمنع الألم، لكنها تمنع التوهان. لا تحمي من الخسارة، لكنها تمنح القدرة على الفهم والتعافي. الشخص الذي تربى عاطفيًا بشكل صحي يعرف أن الحب ليس صراعًا دائمًا، ولا اختبار صبر مستمر، بل مساحة مشاركة ونمو متبادل.
الأخطر في غياب التربية العاطفية هو تطبيع المعاناة. يعتاد الشخص علاقة غير مريحة، ويقنع نفسه أن هذا هو الطبيعي، لأنه لم يختبر نموذجًا مختلفًا. هنا يصبح الاختيار مقيدًا بسقف منخفض من التوقعات، ويضيع السؤال الأهم: هل أنا مرتاح؟ هل هذه العلاقة تشبهني؟ هل أستطيع أن أكون نفسي دون خوف؟
إعادة بناء الوعي العاطفي ممكنة، لكنها تتطلب شجاعة. شجاعة مواجهة الذات، والاعتراف بأن بعض الاختيارات لم تكن ناضجة، لا بسبب ضعف الشخصية، بل بسبب نقص الأدوات. هذه المراجعة ليست جلدًا للذات، بل خطوة نضج حقيقية تفتح باب اختيارات أكثر اتزانًا.
التربية العاطفية الغائبة لا تعني نهاية الطريق، لكنها تعني بداية متأخرة للتعلم. وكل وعي متأخر، رغم ألمه، يظل أفضل من الاستمرار في الدوران داخل الدائرة نفسها. الاختيار السليم لا يولد من المثالية، بل من الفهم، والفهم يبدأ من الداخل.
غياب التربية العاطفية يؤثر على تنظيم المشاعر، وأنماط التعلق، والقدرة على اتخاذ قرارات عاطفية متوازنة. الأشخاص الذين لم يتعلموا فهم مشاعرهم يميلون لاختيارات مدفوعة بالاحتياج أو الخوف بدل الوعي. بناء الذكاء العاطفي لاحقًا يساعد على كسر الأنماط المتكررة، وتحويل الاختيار من استجابة لا واعية إلى قرار ناضج قائم على الفهم والحدود والاحتياج الحقيقي.
الأكثر قراءة
-
رابط نتيجة الصف الثاني الثانوي محافظة القاهرة الترم الأول 2026
-
نتيجة الصف الأول الثانوي محافظة الغربية الترم الأول 2026
-
موعد ظهور نتيجة الشهادة الإعدادية 2026 برقم الجلوس (خاص)
-
الاستعلام عن نتيجة الصف الثالث الإعدادي برقم الجلوس والاسم 2026
-
انتهاء معاناة الملاك.. ماذا بعد 5 فبراير في ملف الإيجار القديم؟
-
العثور على شاب مقتول بطلق ناري في قرية جرف سرحان بأسيوط
-
الاستعلام عن نتيجة الصف الرابع الابتدائي بالرقم القومي الترم الأول 2026
-
نتيجة الصف الأول الثانوي الترم الأول 2026 بمحافظة الجيزة
مقالات ذات صلة
الصوت الشتوي تحت قبة البرلمان.. العبرة بالأداء
19 يناير 2026 12:27 م
الرحلة المقدسة كدرس إنساني في ترميم الروابط الأسرية
16 يناير 2026 09:03 ص
قراءة في زواج زوج الصديقة... بين الحق القانوني والسقوط الأخلاقي
09 يناير 2026 10:18 ص
وهل تهون العِشرة على أولاد الحلال؟
02 يناير 2026 08:49 ص
أكثر الكلمات انتشاراً