الجمعة، 30 يناير 2026

04:59 م

إمام عاشور.. هذه بضاعتكم رُدّت إليكم!

أزمة إمام عاشور مع الأهلي ليست مجرد خلاف انضباطي عابر، ولا واقعة فردية تصلح للاستهلاك الإعلامي السريع، بل مرآة فاضحة لواقع أكثر عمقًا وأخطر: تدنّي مفهوم الاحتراف في الكرة المصرية من الجذور حتى القمة.

إمام عاشور لاعب مرّ بظروف صحية ونفسية قاسية، ظروف كادت تنهي مسيرته، ووقف النادي الأهلي إلى جواره موقفًا يُحسب له إداريًا وإنسانيًا.. علاج، دعم، صبر، وعودة محسوبة للملعب. حتى هنا، القصة نموذج يُدرَّس.
لكن ما إن عاد اللاعب، حتى انفجرت الأزمة… لا لأن إمام شخص سيئ، ولا لأن الأهلي مؤسسة متعسفة، بل لأن الطرفين نتاج منظومة مختلّة من الأساس.
إمام عاشور، مثل عشرات اللاعبين في مصر، يمتلك الموهبة، اللياقة، والقدرة الفنية. لكنه – مثلهم – لم يُؤهَّل يومًا ليكون محترفًا كاملًا.
منذ أن دخل قطاع الناشئين، تعلّم كيف يراوغ، كيف يسدد، وكيف “يكسب اللقطة”… لكنه لم يتعلم، كيف يتعامل مع الضغط، أو يفصل بين أزمته الشخصية والتزامه المهني، أو يفهم معنى كونه جزءًا من مؤسسة أكبر منه!

في أوروبا، اللاعب يُصنع ذهنيًا قبل أن يُلمس بالكرة، لكن في مصر، اللاعب يُرمى في الملعب، ثم نطالبه فجأة بالاحتراف حين يكون له سعر.
والسؤال المؤلم:
كيف نطالب لاعبًا بالالتزام الصارم، ونحن لم نوفر له يومًا منظومة احتراف حقيقية؟
كم نادٍ في مصر يمتلك، أخصائيًا نفسيًا دائمًا، أو برنامجًا إلزاميًا لتثقيف اللاعبين، وإدارة أزمات حقيقية بدلًا من بيانات غاضبة؟

بكل سذاجة، نريد لاعبًا أوروبي السلوك، بعقلية هاوية، وبيئة فوضوية، وإعلام متربص، وجماهير لا ترحم، ثم نتفاجأ حين ينهار!
وللأسف يظل الإعلام شريكاً في هذه المأساة، فبدلاً من أن تناقَش أزمة إمام عاشور كنموذج خلل، تحولت إلى حفلة جلد، وتخوين، وتشكيك، وتصفية حسابات قديمة!

لا أحد سأل: لماذا تتكرر هذه الأزمات من قديم الأزل في تاريخ الكرة المصرية!

لماذا كل لاعب موهوب عند أول منعطف نفسي ينفلت ويصعب السيطرة عليه، ونسترجع نماذج كانت تنعقد عليها آمال كبيرة، مثل عمرو زكي، وميدو وإبراهيم سعيد، وصالح جمعة وشيكابالاً؟
الإجابة ستدين الجميع، بداية من وزارة الرياضة، مروراً باتحاد كرة تنتخب مجالس إداراته بالعلاقات وعزومات الكباب والكفتة، وحين يتصدرون المشهد، يختارون أهل الثقة وليس الكفاءة، سواء في الجانب الإداري أو الفني!

الأهلي في أزمة إمام عاشور تصرّف كـ"مؤسسة" وفق قواعده، وهذا حقه، لكن حتى الأهلي – أكبر نادٍ في مصر – يتعامل مع مخرجات منظومة لم يصنعها وحده!

يستقبل لاعبًا جاهزًا فنيًا، لكنه هش نفسيًا، غير مثقف رياضيًا، ثم يُطلب منه أن يضبطه بالعقوبات، بينما في الواقع قد تضبط العقوبة .. لكنها لا تصنع إنسانًا محترفًا.

أعز أصدقائي لديه ابن ناشئ بأحد الأندية الإماراتية البارزة، ويحدثني عن طريقة المعاملة، وطبيعة الأجهزة الفنية التي يتم اختيارها لقطاعات الناشئين، وكيف يتم إخضاع اللاعبين لدورات تثقيفية في كل الجوانب الحياتية، بداية من التأهيل النفسي والسلوكي، وصولاً إلى كيفية التعامل مع وسائل الإعلام!

وصدمني حين حكى لي عن تجربة ابنه حين تم استدعاؤه إلى منتخب مصر، ودون الخوض في تفاصيل غريبة، توصلت إلى قناعة بأن المقدمات في منظومة كرة القدم المصرية لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نوعين من النتائج، لاعب موهوب بالفطرة لكنه مشوه سلوكياً وأخلاقياً وثقافياً، أو لاعب لم يؤت نصيباً من التأسيس في فنون اللعبة، كما ذكر البرتغالي كيروش حين وصف نجوم بمنتخب مصر الأول!

الخلاصة المؤلمة، قصة إمام عاشور ليست عن لاعب غير ملتزم، لكنها عن كرة قدم لم تحترف يومًا، لكنها تحب أن تتكلم بلغة الاحتراف، ونرى النتائج في البطولات الكبرى سواء على مستوى المنتخب والأندية الكبرى أو حتى قطاعات الناشئين!

نحن لا نقوم بتخريج لاعبين، بل مواهب – أصحب نادرة- مجردة من الأدوات الذهنية، ثم نلومها حين تتعثر.
في هذه المنظومة، نطالب بالانضباط، ونمارس الفوضى! نرفع شعارات الاحتراف، ونعيش بعقلية الهواة، ثم حين ترتد الأزمة إلينا، نقول بدهشة زائفة "إيه اللي حصل"
لا شيء…
هذه بضاعتكم رُدّت إليكم!

search