الثلاثاء، 03 فبراير 2026

10:53 م

البحث عن علبة دواء.. أوجاع المرضى حائرة بين غياب "المثيل" وغلاء المستورد

أزمة نقص الدواء، بين اختفاء المثيل المصري وغلاء المستورد

أزمة نقص الدواء، بين اختفاء المثيل المصري وغلاء المستورد

روشتة تُكتب في عيادة، وتعاد صياغتها في الصيدلية وفق ما هو "متاح"، لا ما هو "مناسب"، اسم دواء يختفي، ومثيل مصري يتوارى هو الآخر في صمت، وبديل مستورد يفرض نفسه بسعر أعلى، كأن المرض وحده لا يكفي.

بهذا الإيقاع البطيء، تتشكل روشتة أخرى غير مكتوبة.. روشتة استنزاف، يدفع ثمنها مريض يبحث عن تخفيف وجعه، أو جرعة علاج لا تنقطع في سوق دوائي يعد الأكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا، تضخ فيه مليارات العبوات سنويًا.. ويبدو السؤال بسيطًا وصادمًا في آن واحد: لماذا يختفي المثيل المصري؟ ومن المستفيد من ازدهار “بيزنس” الأدوية المستوردة؟

معاناة المرضى مع ارتفاع أسعار الدواء المستورد في ظل غياب المثيل المصري

روشتة تبدأ من صيدلية وتنتهي بسفر بين المحافظات

في صيدلية صغيرة بمحافظة الإسماعيلية، يقف شاب ثلاثيني يُدعى عبدالله سلطان، ممسكًا بروشتة مهترئة من كثرة تداولها بين يديه.. تجوّل بعينيه بين الأرفف قبل أن يسأل الصيدلي للمرة الثالثة عن بخاخ صغير، لا يتجاوز حجمه كف اليد، لكنه يمثل الكثير بالنسبة لابنه “يوسف”، صاحب السنوات الست، حيث يعينه على التنفس بشكل طبيعي قبل أن يدخل في نوبة حساسية حادة.

يرد الصيدلي بعبارة أصبح عبدالله يحفظها عن ظهر قلب: "للأسف، مش متوفر"، وهنا ييتنهد عبدالله ثم يستفسر عن وجود الدواء “المثيل”، ويأتي الرد أسرع هذه المرة: “الموجود مستورد فقط.. وسعره 240 جنيه”.

بالنسبة لعبدالله لم تعد الأزمة في سعر الدواء الذي يحتاجه طفله شهريًا فقط، فالمسألة ليست بخاخًا واحدًا، بل يمتد إلى دواء آخر يتجاوز سعره 500 جنيه، إضافة إلى أقراص علاجية يصل ثمنها إلى 230 جنيهًا.

عبدالله شرح مأساته: "كل الأدوية اللي بجيبها مستوردة، لأن الدكتور هو اللي بيحدّد نوع العلاج"، مضيفًا لـ"تليجراف مصر": “المشكلة إن الدواء نفسه ساعات مش بلاقيه.. وأضطر أسافر محافظات تانية علشان أجيبه”.

مرضى الربو يعانون للحصول على بخاختهم الأصلية وسط نقص الدواء

المشهد يتكرر.. مرضى يدفعون الثمن

حالة عبدالله ليس استثناءً، فهو واحد من عشرات الحالات التي تحدث يوميًا في صيدليات يفترض أنها الملاذ الأول للمرضى، لكنها تحوّلت في أحيان كثيرة إلى محطات بحث طويلة عن علاج مفقود، أو مثيل محلي لا يظهر، أو دواء مستورد لم يعد في متناول أصحاب الدخول المحدودة.

تعيش السيدة الخمسينية "نبيلة" (اسم مستعار) تحت وطأة ألم الأعصاب المزمن.. تروي ابنتها سمر رحلة العذاب اليومية للحصول على الدواء: "والدتي تعتمد على دواء (تيبونيا فورت)، حبة واحدة يوميًا كانت كفيلة بتسكين ألمها، لكن الدواء بدأ يتلاشى تدريجيًا منذ ستة أشهر إلى أن اختفى تمامًا، وأصبحت الإجابة الموحدة في كل الصيدليات: (ناقص وغير متوفر)".

بين أرفف صيدليات يفترض أن تكون الملاذ الآمن، ومصانع تضخ مليارات العبوات، تكمن مفارقة صارخة، سوق دوائي هي الأكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا، تنتج نحو 4 مليارات عبوة سنويًا بحسب الإحصائيات الرسمية، ومع ذلك يظل المريض عالقًا في متاهة البحث عن "المثيل" المفقود أو "المستورد" باهظ الثمن.

أزمة نقص الدواء في السوق المصرية

رحلة البحث عن الدواء المختفي

للوقوف على حقيقة ما يحدث، خاضت "تليجراف مصر" جولة ميدانية لرصد الفجوة بين البيانات الرسمية والواقع الفعلي، شملت صيدليات في القاهرة والدلتا والصعيد.

في حي المعادي الراقي بالقاهرة، كان البحث جاريًا عن المادة الفعالة "سالميترول" لمرضى الربو. الدكتور أحمد (اسم مستعار)، صيدلي في فرع لصيدلية شهيرة، قدم فورًا البديل المستورد بسعر 385 جنيهًا.

وحين سألناه عن المثيل المصري الأقل سعرًا، ابتسم بسخرية مريرة قائلًا: "المفروض إنه موجود.. لكن شركات التوزيع ترى أنه لا يحقق مكسبًا فلا تطرحه، وحتى الرخيص منه (انضرب) سعره".

غياب المثيل المصري، توافر الدواء المستورد للمادة الفعالة (سالميترول) بسعر مرتفع

المشهد اختلف نسبيًا في حي "دار السلام" الشعبي، حيث توفر دواء "كاربيمازول" لعلاج الغدة الدرقية بـ60 جنيهًا، وأكد العامل هناك بثقة أن "كل الأدوية هنا مصرية، لا نتعامل في المستورد لغلائه".

تتوافر الأدوية المحلية بعدة صيدليات في دار السلام

الأزمة ذاتها امتدت إلى الإسكندرية، فقد اختفت مادة "بريجابالين" لعلاج الأعصاب، وبرر الصيادلة ذلك بكون هذا الدواء متوفرًا فقط في أماكن محددة وبشروط صارمة باعتباره "جدول"، وهذه الكلمة تعني أن الدواء يندرج تحت قائمة أدوية مخدرة لا تُصرف إلا بروشتة معتمدة، وأحيانًا لا تُصرف إلا من خلال صيدليات حكومية تابعة لوزارة الصحة أو المستشفيات.

العلاج يختفي من “السيستم” قبل غيابه عن الأرفف

أما في سوهاج، فكان الوضع أشد قسوة، حيث أكدت صيدلانية في إحدى السلاسل الشهيرة أن مادة "سيتاجليبتين" لمرضى السكري "غير موجودة على السيستم في أي فرع"، وهو ما تكرر في سلاسل كبرى أخرى، ليبقى مريض السكري بلا علاج.

غياب دواء يحتوي على مادة فعالة لمرضى السكري داخل إحدى صيدليات سوهاج 

لعبة "القط والفأر" بين الموزعين والصيادلة

وسط هذا الغياب، يتبادل أطراف المنظومة الاتهامات ككرة من لهب. محمد عودة، مدير التوزيع بإحدى الشركات الكبرى، يغسل يديه من الأزمة، مؤكدًا أن شركات التوزيع مجرد وسيط، وأن المسؤولية تقع على عاتق شركات الإنتاج.

ويصر عودة على أن "معظم الأدوية تم توطينها"، نافيًا وجود أزمة نقص من الأساس، ومعتبرًا أن الاستيراد يقتصر على أصناف محدودة.

في المقابل، يلقي رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، الدكتور علي عوف، باللوم على الصيدليات، متهمًا بعضها بانتهاج "سياسة تجارية" تفضل بيع المستورد لتحقيق هامش ربح أعلى، ويقول بلهجة حادة: “الصيدلية حرة.. مش عاوزة تجيب الرخيص براحتها، لا يمكننا إجبارها”، وهي الرواية التي نسفها نقيب صيادلة القاهرة، الدكتور محمد الشيخ، مؤكدًا أن هامش ربح الدواء المحلي "أعلى" من المستورد، ما يجعل الصيدلي منطقيًا أكثر ميلًا لبيعه.

ويُرجع الشيخ الأزمة إلى "ثقافة الأطباء" المتمسكة بأسماء تجارية بعينها، أو توقف خطوط الإنتاج فعليًا، نافيًا وجود "مؤامرة" من الصيدليات لحجب الدواء الرخيص.

الدكتور علي عوف والدكتور محمد الشيخ

"مطبخ الصناعة".. سر اختفاء الدواء الرخيص

وبعيدًا عن التراشق، يكشف الدكتور محمد أحمد مدير إنتاج يشركة أدوية كبري، قضى 30 عامًا في صناعة الدواء، الجانب الخفي من الأزمة، الذي يتعلق بـ"اقتصاديات الدواء".

يوضح أحمد أن الأزمة الحقيقية تكمن في المواد الخام، فمصر لا تمتلك مصانع لإنتاج الخامات الدوائية، وتعتمد كليًا على الاستيراد من الهند والصين.

ويشير إلى أن "التسعير الجبري" يضع الشركات بين فكي كماشة، فإما استخدام خامات أوروبية عالية الجودة والكُلفة ما يرفع السعر بشكل ترفضه هيئة الدواء، أو اللجوء لخامات آسيوية مطابقة للمواصفات نظريًا لكنها أقل فاعلية، أو الخيار الثالث والأصعب وهو وقف إنتاج الأصناف الرخيصة التي لم تغطِ تكلفتها التشغيلية.

ويضيف: "شركات الأدوية مؤسسات ربحية في النهاية، وقد تضطر لوقف إنتاج أدوية الأمراض المزمنة إذا كانت الخسارة هي النتيجة الحتمية لاستمرار خط الإنتاج".

غياب مصنع مواد خام في دولة مصنعة للدواء - أرشيفية

أرقام رسمية "وردية" وواقع برلماني "شائك"

على النقيض، تبدو الصورة مغايرة تمامًا على المستوى الرسمي، إذ يؤكد رئيس هيئة الدواء، الدكتور علي الغمراوي، تراجع شكاوى النواقص من 30 ألف شكوى شهريًا إلى نحو 7 آلاف فقط، مشيرًا إلى أن الأصناف الناقصة لا تتجاوز 11 صنفًا.

ويتفق معه في الرأي، مساعد رئيس الهيئة، الدكتور ياسين رجائي، بتأكيده أن 91% من حجم سوق الدواء يعتمد على الإنتاج المحلي، وأن المخزون الاستراتيجي آمن.

الدكتور علي الغمراوي والدكتور ياسين رجائي

وتعزز لغة المال هذا الطرح المتفائل، حيث قفزت مبيعات السوق الدوائي في النصف الأول من 2025 لتسجل 186.7 مليار جنيه، بزيادة 56%، بعد عام 2024 الذي شهد مبيعات بقيمة 309 مليارات جنيه.

لكن هذه "الوفرة الرقمية" لم تقنع البرلمان، حيث تؤكد عضو لجنة الشؤون الصحية سابقًا، الدكتورة إيرين سعيد، أن شكاوى المواطنين لم تتوقف، خاصة فيما يتعلّق بأدوية الأمراض المزمنة. وتشير إلى خلل جغرافي في الرقابة، حيث تتركز القبضة الرقابية في القاهرة وتتراخى كلما اتجهنا جنوبًا نحو الصعيد، ما يخلق "سوقًا سوداء" مصغرة أو نقصًا مفتعلًا في الأقاليم.

عضو لجنة الشؤون الصحية في مجلس النواب سابقًا الدكتورة إيرين سعيد

عقدة "الخام".. ميراث الخصخصة المر

لتفسير سبب عجز مصر عن إنتاج خاماتها رغم تاريخها الطويل في صناعة الدواء، يعود بنا رئيس المركز المصري للحق في الدواء، محمود فؤاد، إلى الوراء، مستحضرًا تجربة "شركة النصر للخامات الدوائية".

ويوضح فؤاد أن الشركة كانت تمثل العمود الفقري للأمن الدوائي المصري في حقبة الستينيات، لكن سياسات الخصخصة أدت إلى تصفيتها، لتجد الشركات الوطنية نفسها مضطرة لشراء الخامات من الخارج بالدولار، تمامًا مثل القطاع الخاص.

ويؤكد أن تصنيع الخامات يتطلب استثمارات مليارية وتكنولوجيا معقدة، ما يجعل إنتاج الأدوية الحيوية والاستراتيجية محليًا "حلمًا مؤجلًا" في ظل غياب الجدوى الاقتصادية للقطاع الخاص.

رئيس المركز المصري للحق في الدواء محمود فؤاد

هل المثيل آمن؟

في خضم أزمة التوافر، يبرز تخوف طبي آخر، إذ يؤكد استشاري جراحة القلب، الدكتور محمد صبري، أن "المثيل المصري" يتمتع غالبًا بالكفاءة الطبية ذاتها للمستورد، وأن تفضيل الأطباء المستورد يعود أحيانًا إلى فكرة "الاعتياد" أو الدعاية.

لكن صبري يطلق تحذيرًا من نوع آخر بشأن مرضى الأمراض المزمنة، موضحًا أن "التبديل المستمر" بين الأسماء التجارية للمادة الفعّالة نفسها قد يؤدي إلى عدم استقرار الحالة الصحية وتذبذب المؤشرات الحيوية لدى المريض.

ويضيف: "سعر الدواء عامل حاسم في التزام المريض بالعلاج، واختفاء المثيل الرخيص يعني ببساطة توقف الكثيرين عن تناول الدواء، وهو ما نلمسه في عياداتنا يوميًا".

استشاري جراحة القلب الدكتور محمد صبري

بين التبريرات وحسابات المكسب والخسارة للشركات، يبقى عبدالله في الإسماعيلية، ونبيلة في سوهاج، وغيرهم آلاف المرضى، يدفعون ثمن فاتورة لا يملكون مراجعتها، في انتظار دواء قد يأتي، أو مثيل قد يظهر، لمرض لا ينتظر ولا يرحم.

اقرأ أيضًا:

رئيس شعبة الأدوية يكشف سبب استمرار أزمة النواقص

"الدفع أو الموت".. نائبة تهاجم الحكومة: أزمة الدواء مستمرة منذ 11 سنة

"الصيادلة": الأدوية المستوردة والمحلية نفس الجودة بسعر أعلى

تابعونا على

search