القاهرة بين زمنين.. سيرة مدينة حين كانت القيم تمشي على قدمين
ليست القاهرة مدينة تُقرأ على الخرائط، ولا تُختصر في أرقام السكان ولا في اتساع الشوارع، بل هي نصٌّ مفتوح، طبقات فوق طبقات، وزمن يعلو زمنًا، وذاكرة لا تهدأ.
من يدخل القاهرة القديمة، لا يدخل حيًّا فحسب، بل يعبر بوابة خفية إلى عالمٍ كانت فيه القيم نظامًا كونيًا، والسلوك شريعة غير مكتوبة، يتوارثها الناس كما يتوارثون الأسماء والملامح.
في القاهرة التي عرفها الآباء، كانت الأزقة ضيقة، لكنها كانت رحبة بالمعنى. الحارة ليست ممرًا، بل وطنًا مصغرًا، له شيوخه، وله حكماؤه، وله ميزانه الأخلاقي الدقيق. لم يكن أحد يسأل: لماذا أحترم غيري؟ لأن الاحترام كان هو الهواء الذي يتنفسه الجميع. من خرج عن هذا النسق، لم يُعاقَب بقسوة القانون، بل بنظرة المجتمع، وتلك كانت أقسى من أي عقوبة.
كان الأب، في تلك القاهرة، شيخ طريقة دون أن يدري. يعلّم ابنه السلوك لا بالشرح، بل بالفعل. يعلّمه الصمت حين يجب الصمت، والكلمة حين يجب الكلام، ويعلّمه أن للناس حرمة، وللرزق بركة، وللخطأ ثمنًا لا يُؤجَّل. كانت القيم تسري في البيوت كما تسري بركة الأولياء في المقامات؛ لا تُرى، لكن أثرها ظاهر في الوجوه، وفي الطمأنينة، وفي ذلك الإحساس الغامض بالأمان.
في المساجد القديمة، لم يكن الذكر مجرد طقس، بل امتدادًا للحياة. من قال “الله” في الفجر، كان يقولها في السوق، وفي الميزان، وفي المعاملة. وكان التصوف، في جوهره الشعبي، مدرسة للسلوك قبل أن يكون طريقًا للروح. علّم الناس التواضع، وكسر الأنا، والإحساس بالفقراء، وعدم التفاخر. فصار السلوك عبادة، وصارت الأخلاق قربى.
ثم دار الزمن، واتسعت القاهرة، وتمدّدت كجسدٍ أثقله الحمل. ارتفعت العمارات، وانخفضت الروح. دخلنا زمن السرعة، ففقدنا التؤدة، ودخلنا زمن الضجيج، ففقدنا الإصغاء. لم تعد الحارة تعرف أبناءها، ولم يعد الناس يعرفون بعضهم إلا بالمصادفة. صار الجار غريبًا، والغريب عابرًا، والعابر لا مسؤولية له.
في القاهرة اليوم، اختل الميزان. لم تختفِ القيم فجأة، بل تآكلت على مهل، كما تتآكل الأحجار القديمة تحت المطر. صار السلوك مسألة شخصية لا شأن للمجتمع بها، وصارت الأخلاق خيارًا لا ضرورة. من يكذب يبرر، ومن يعتدي يجد من يدافع، ومن يخطئ يعلّق خطأه على شماعة “الظروف”. وهكذا، تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتحوّل الصواب إلى سذاجة في نظر البعض.
الفرق بين القاهرتين ليس في الزمان وحده، بل في الوعي. القاهرة القديمة كانت ترى الإنسان جزءًا من كلٍّ أكبر، تحاسبه لأنه مسؤول عن هذا الكل. أما القاهرة الحديثة، فقد علّمت الإنسان أن ينجو بنفسه، ولو غرق الآخرون. هنا ضاع المعنى الصوفي العميق للحياة، ذلك المعنى الذي يرى في كل فعل أثرًا، وفي كل سلوك صدى، وفي كل إنسان مرآة لغيره.
ومع ذلك، لا تزال القاهرة تخبئ في باطنها سرّها القديم. في بعض الوجوه المتعبة، وفي بعض البيوت التي لم تفرّط، وفي بعض الأمهات اللاتي ما زلن يعلّمن أبناءهن أن “العيب” سابق على “القانون”، وأن البركة في القليل النظيف، لا في الكثير الملوّث. هذه البقايا ليست ضعفًا، بل جذورًا، والجذور وحدها هي القادرة على إنقاذ الشجرة حين تهبّ العواصف.
إن العودة إلى المبادئ التي تعلّمناها من آبائنا ليست دعوة إلى الانغلاق، ولا رفض العصر، بل هي عودة إلى مركز الدائرة. عودة إلى فكرة أن السلوك هو جوهر العمران، وأن المدينة بلا قيم جسد بلا روح.
القاهرة لا تحتاج إلى مزيد من الكباري بقدر ما تحتاج إلى جسور أخلاقية بين الناس، ولا تحتاج إلى اتساع الشوارع بقدر ما تحتاج إلى اتساع الصدور.
في التراث الصوفي، يُقال إن الطريق إلى الله يمر عبر الخلق. والسلوك القويم، في جوهره، هو هذا الطريق. فإذا صلح السلوك، صلح الحال، وإذا استقام الإنسان، استقامت المدينة. والقاهرة، مهما تبدّلت، لا تزال قادرة على أن تستعيد توازنها، لا بعودة الحجر القديم، بل بعودة المعنى القديم في ثوب جديد.
هكذا، تظل القاهرة بين زمنين: زمنٍ كانت فيه القيم تمشي على قدمين، وزمنٍ تبحث فيه القيم عن مأوى. وما بينهما، يقف الإنسان، إما أن يكون جسرًا يعبر عليه المعنى، أو يكون قطيعة أخرى في سيرة مدينة لا تستحق أن تُنسى، ولا أن تُترك بلا روح.
الأكثر قراءة
-
القبض على 12 من المتورطين في مشاجرة مقتل صاحب شركة سيارات بفيصل
-
احصل على عائد 13300 جنيه شهريًا.. تفاصيل شهادات بنك القاهرة 2026
-
المتهم بتهديد طليقته بالسكين أمام ابنته: "أنا شفت حاجات محدش يتحملها"
-
كواليس وتحركات تسبق التعديل الوزاري.. ماذا سيحدث تحت قبة البرلمان غدا؟
-
"يعرفوا بعض!"، راكب يفجر مفاجأة بشأن فتاة الأتوبيس والمتهم بالتحرش بها
-
ليفل الوحش، برنامج رامز جلال في رمضان 2026
-
بعد ظهور والدها، سمر نديم تكشف تفاصيل مثيرة حول مقتل ضحى من أمام قبرها
-
القبض على المتهم بالتحرش بـ"فتاة الأتوبيس" في المقطم
أكثر الكلمات انتشاراً