الإثنين، 16 فبراير 2026

08:50 م

رمضان.. سيرة النور في دفاتر القلب

حين يقترب رمضان، لا يجيء على حين غفلة، بل يرسل بشائره قبل قدومه، كأنّ نسمةً خفيّة تمشي في الأزقّة القديمة فتوقظ الحنين النائم في الصدور. في القاهرة العتيقة، عند أطراف الأزهر، وفي دروب الحسين والسيدة، يتبدّل وجه الحجر، ويصير للمآذن صوتٌ أعمق، كأنّها تستعدّ لبوحٍ طويل. الهلال هنا ليس مجرّد جرمٍ سماويّ، بل علامة عهدٍ بين السماء والأرض، بين العبد وربّه، بين قلبٍ أرهقته الأيام ويدٍ تنتظر الغفران.

رمضان في وجداننا ليس شهرًا يُضاف إلى سائر الشهور، بل هو سيرة تُروى كلّ عام، وفصلٌ يتجدّد من كتابٍ لا تنفد صفحاته. حين كنتُ طفلًا، كنتُ أترقّب صوته قبل صورته؛ صوت المدفع البعيد، يهزّ الغروب، فيعلم الصائمون أنّ موعد الفرح قد أقبل. كانت أمّي تهمس بدعاءٍ قصير، وتناولنا التمر والماء كأنّنا نتناول سرًّا مقدّسًا. لم أفهم آنذاك معنى الصيام كلّه، لكنّي أدركت أنّ في هذا الشهر شيئًا يشبه القداسة، شيئًا يعلو فوق العادة ويستقرّ في الأعماق.

الصيام في رمضان ليس امتناعًا، بل امتلاء. تمضي ساعات النهار بطيئة، لكنّها مثقلة بالمعنى. الجوع يعلّمنا أن نصغي إلى ضعفنا، والعطش يذكّرنا بأنّ الإنسان ليس سيّدًا على كلّ شيء. وفي هذا الضعف، يولد صفاءٌ عجيب؛ كأنّ الروح حين تُحرَم قليلًا، تنكشف لها أشياء كانت محجوبة. ترى الفقير بعينٍ أخرى، وتسمع المتعب بقلبٍ أكثر رفقًا، وتدرك أنّ النعمة ليست فيما نملك، بل فيما نشعر.

في ليالي رمضان، تتبدّل الأزقّة. الفوانيس الملوّنة تتدلّى من الشرفات، تضيء العتمة بضياءٍ حميم، وصوت التراويح يمتدّ من مسجدٍ إلى مسجد، كأنّ المدينة كلّها دخلت في حضرة الذكر. أقف أحيانًا في آخر الصف، وأصغي إلى تلاوة الإمام، فأشعر أنّ الكلمات ليست أصواتًا تُتلى، بل أنهارًا من نورٍ تجري في القلب. آيةٌ واحدة قد تهزّك من الداخل، تذكّرك بما نسيت، وتفتح فيك بابًا كنتَ تظنّه مغلقًا.

رمضان أيضًا شهر الحكايات. في البيوت القديمة، كانت الجدّات يجلسن بعد الإفطار، يروين قصصًا عن سنوات مضت، عن رمضان أيام الحرب، وعن موائد كانت أقلّ طعامًا وأكثر بركة. كنّ يقلن إنّ البركة لا تُقاس بالكثرة، بل بالرضا. كنتُ أرى في وجوههنّ نورًا خاصًّا، نورًا صنعته السنون وصقلته التجارب، لكنّ رمضان كان يزيده صفاءً. كأنّ هذا الشهر يُعيد إلى الوجوه ملامحها الأولى، ويغسل عنها غبار التعب.

وعند السحور، قبل أن ينشقّ الفجر، تسود لحظة صمتٍ مهيبة. المدينة كلّها تبدو كأنّها تتنفّس ببطء. صوت المسحّر، وهو ينادي بأسماء الناس، يمرّ في الأزقّة مثل ترنيمةٍ قديمة، تربط الحاضر بالماضي. في تلك اللحظات، تشعر أنّ الزمن ليس خطًّا مستقيمًا، بل دائرة تتكرّر، وأنّك تعيش ما عاشه آباؤك وأجدادك، في تواصلٍ خفيّ بين الأجيال.

رمضان شهر التكافل، لكنّه أيضًا شهر المحاسبة. تجلس مع نفسك، تراجع ما كان، وتفكّر فيما ينبغي أن يكون. كم من خطأٍ مرّ دون اعتذار، وكم من كلمةٍ خرجت بغير حقّ، وكم من فرصةٍ ضاعت في غفلة! في هذا الشهر، يتّسع الوقت للتوبة، ويصير القلب أكثر استعدادًا للصفح. كأنّ الله يفتح لنا نافذةً صغيرة في جدار العام، لنطلّ منها على إمكانٍ آخر للحياة.

وفي العشر الأواخر، يشتدّ الإحساس بالقرب. نتحرّى ليلة القدر كما يتحرّى العاشق موعد اللقاء. لا نعرف علامتها، لكنّنا نعرف أثرها في القلب؛ سكينةٌ غير مألوفة، ودمعةٌ تخرج دون استئذان، ودعاءٌ يخرج من الأعماق بلا تكلّف. في تلك الليالي، أشعر أنّ المسافة بين الأرض والسماء تضيق، وأنّ الإنسان، بكلّ ضعفه، يمكن أن يكون عظيمًا إذا صدق في طلبه.

ثمّ يأتي الوداع، على استحياء. ينقضي الشهر كما ينقضي الحلم الجميل، وتبقى في النفس غصّة خفيفة. هل أحسنّا صحبته؟ هل اغتنمنا أيّامه كما ينبغي؟ لكنّ رمضان لا يرحل تمامًا؛ يترك فينا أثرًا، كأنّه ختمٌ من نورٍ على صفحات القلب. يذكّرنا أنّ في العمر مواسم للعودة، وأنّ الله لا يغلق بابه في وجه من قصد.

رمضان، في جوهره، ليس زمنًا محدّدًا بثلاثين يومًا، بل حالةٌ من الصفاء يمكن أن تمتدّ إن أردنا. هو درسٌ في الحبّ؛ حبّ الله، وحبّ الناس، وحبّ الخير الكامن فينا. كلّ عامٍ ننتظره بشوق، وكلّ عامٍ نستقبله برجاء، وكلّ عامٍ نودّعه بدمعة. وبين الانتظار والاستقبال والوداع، تتشكّل حكايتنا معه، حكاية قلبٍ يبحث عن النور، ويجده كلّما أقبل رمضان.

search