مجرد سؤال؟
الهاتف لا يتوقف، الرسائل تتوالى، الأبواب تُفتح قبل أن تطرقها، والوجوه تبتسم لك أكثر مما ينبغي، تظن أحيانًا أن الأمر لك… وأن الحضور حضورك، وأن القيمة في اسمك، وأن الاضواء لا تسطع، لكن الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها الكثيرون أن المكان هو الذي يمنحك وهجه لا أنت الذي تمنحه الحياة، وأول ما تمشي… يتغير رقم الهاتف في هواتف البعض، وتُطوى صفحة اسمك في دفاتر المصالح، ويُعاد ترتيب الأولويات، ثم تسمع الجملة التي تبدو عادية لكنها تحمل كل الدرس: “لو دامت ليك… مكنتش جات لغيرك"، جملة تختصر فيها فلسفة الحياة، الناس تهتم بالموقع… تهتم بالقرار… تهتم بالنفوذ وقليل جدًا من يهتم بالإنسان نفسه.
في لحظة صدق نادرة، اكتشفت حقيقة قاسية أغلب الناس لا تعرفك أنت…بل تعرف منصبك، ينادونك باللقب قبل الاسم، ويحيّون منصبك قبل الشخص، ويقتربون من صلاحياتك أكثر مما يقتربون من روحك، وظيفتك هي البطاقة التي تفتح الأبواب، هي التي تجعل الهاتف يرن، والمقاعد تُفسح، والكلمات تُحسب لك ألف حساب.
لكن جرّب أن تترك هذا كله وانظر كم بابًا سيُفتح بنفس الحفاوة ليست قسوة من الناس بقدر ما هي طبيعة بشرية، الناس تبحث عن القوة، عن القرار، عن المصلحة، عن النفوذ، القليل فقط يبحث عن الإنسان.
حين تكون في موقع مهم، يختلط عليك الأمر، تظن أن هذا الاهتمام حب، وأن هذا الحضور تقدير لشخصك، ثم تأتي اللحظة الفاصلة قرار، انتقال، انتهاء مدة، تغيير إدارة، فتسقط الأضواء فجأة، ويهدأ الصخب، وتكتشف أن جزءًا كبيرًا من المشهد كان يدور حول وظيقتك، لا حولك.
وهنا السؤال الحقيقي: من أنت بدون لقبك؟ من أنت بدون توقيعك الرسمي؟ من أنت عندما لا يسبق اسمك أي وصف؟ إذا كانت إجابتك واضحة، فأنت آمن، أما إن شعرت بفراغ فأعلم أنك كنت تعيش داخل منصب، لا داخل ذاتك.
الحكمة ليست أن تهرب من المكانة، بل أن تصنع قيمة تتجاوزها، اجعل الناس تحترم عدلك، لا تخاف من سلطتك، وتقدّر أخلاقك، لا تنتفع بنفوذك، لأن الوظيفة مرحلة… أما السمعة فمسار عمر، هنا قصة حقيقية وعبرة في قرية صغيرة منذ مئات السنين، كان هناك معلّم يُدير الكُتّاب الوحيد في القرية، كان الأطفال ينادونه “سيدي”، والآباء يقفون احترامًا إذا مرّ، ويُستشار في كل صغيرة وكبيرة.
كان إذا دخل المجلس، أفسحوا له المكان، وقالوا “اتفضل يا حضرة المعلّم”، كان يظن أن هذه المكانة له هو، لشخصه، لعلمه، لروحه.
مرت الأعوام، وكبر سنّه، وجاء شاب متعلم من مدينة بعيدة، فتسلّم إدارة الكُتّاب، وفي يومٍ واحد، انتقلت كلمة “سيدي” إلى غيره.
وانتقل صدر المجلس إلى الشاب الجديد. وأصبح الناس يقولون له “المعلّم السابق”، ومرّ ذات مساء بجوار الكُتّاب، فسمع الأطفال ينادون الشاب بنفس النبرة التي كانوا ينادونه بها.
توقّف لحظة… واكتشف أن اللقب لم يكن اسمه، بل وظيفته، حزن قليلًا، ثم قرر أن يذهب كل مساء ليعلّم طفلًا فقيرًا في بيته دون مقابل.
لم يكن هناك مجلس كبير، ولا تحيات رسمية، ولا ألقاب، لكن بعد سنوات،صار أهل القرية يقولون: “ده الرجل اللي علّم نص البلد".
لم يعودوا يذكرون منصبه، بل أثره، وهنا فهم الحقيقة، الناس أحيانًا تحترم موقعك، لكنها لا تحبك حقًا إلا حين ترى إنسانيتك.. وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي لا يهرب منه أحد، هل كانوا يعرفونك حقًا؟ أم كانوا يعرفون منصبك فقط؟.
دعنا نكون صرحاء، أغلب من يحيّونك اليوم… لا يعرفونك، هم يعرفون مكتبك، يعرفون توقيعك، يعرفون قدرتك على القرار، أما أنت الإنسان خلف اللقب؟ فقليل جدًا من رآك انساناً، الوظيفة تمنحك وهجًا مؤقتًا تجعلك محور المكالمات، ومقصد الزيارات، وصاحب الكلمة المسموعة.
لكن الحقيقة التي لا يحب أحد سماعها، الناس لا تقترب منك، بل تقترب من فائدتك، وهنا تبدأ المحاسبة، هل صنعت علاقات أم مصالح؟ هل زرعت مواقف أم أوامر؟ هل تركت أثرًا في القلوب أم مجرد تعليمات في الملفات؟، فاسأل نفسك قبل أن يسألك الزمن، لو خرجت الآن… من سيبحث عنك وليس عن موقعك؟ .. مجرد سؤال؟.
الأكثر قراءة
-
جريمة هزت المنيب.. فتى ينهي حياة طفلة بعد الاعتداء عليها في غياب والدتها
-
موعد صرف معاشات مارس 2026.. مفاجأة بشأن الزيادة المرتقبة
-
"جريمة الأخوة الأثرياء"، مقتل رجل أعمال على يد أشقائه بسبب تركة ضخمة
-
"بنموت بسببه ألف مرة".. اتهامات بالتحرش تلاحق مؤلف مسلسل ورد رسمي من صناع العمل (خاص)
-
رابط تسجيل العمالة غير المنتظمة 2026 وخطوات التقديم
-
"الداخلية" تكشف ملابسات القبض على المتهمين بواقعة باسوس
-
عدد حلقات مسلسل "عين سحرية" بطولة عصام عمر
-
تغييرات جذرية في "تعليم بورسعيد".. أكبر حركة تنقلات للقيادات منذ سنوات
أكثر الكلمات انتشاراً