غربة اللاجئين تذوب على موائد المصريين.. هاربون من الحرب إلى أضواء رمضان في الحسين
"البيت الكبير"، حين تصبح مائدة الإفطار وطنًا بديلًا.
“رمضان في مصر حاجة تانية والسر في التفاصيل”.. لم تكن تلك الكلمات التي قدمها الفنان الإماراتي حسين الجسمي قبل سنوات، مجرد أغنية على أنغام تراقص الشرق والغرب، إنما واقعا أثبته الأشقاء العرب، حينما دفعهم أتون الحروب والصراعات في غزة وسوريا والسودان للقدوم إلى “أم الدنيا”، حيث شهدوا شهر رمضان في مصر وسط أجواء من الألفة والدفء، لا فرق فيها بين صاحب الدار والضيف.

من غزة إلى الحسين.. حكاية فلسطيني في مصر
في أحد شوارع مدينة 15 مايو، حيث يمتزج صخب الحياة بروحانيات شهر رمضان، يقف منيب صادق، الشاب الفلسطيني ذو الاثنين وعشرين ربيعا ليتأمل المشهد.
رحلته من غزة قبل عامين لم تمح الشوق إلى داره في غزة ، لكن ما وجده هنا كان كفيلًا بتسكين الوجع ولو مؤقتًا، يقول منيب: "إحنا مش حاسين بغربة خالص.. الأجواء هنا تشبه العيلة".
بالنسبة لمنيب، رمضان في مصر ليس مجرد صيام، بل حالة حسية متكاملة من الزينة التي تعانق الشرفات في حي "15 مايو"، إلى صوت الأغاني الكلاسيكية المنبعثة من المحال، وصولًا إلى "المسحراتي" الذي يجوب الشوارع كأنه يحصي السكان قلبًا بقلب.
ولا تخلو ذاكرة الشاب الفلسطيني، من مواقف طريفة تعكس انخراطه في النسيج المصري، إذ يستذكر ضاحكًا تلك الليلة التي تلت صلاة العيد العام الماضي، حين سمع صوت المسحراتي ينادي "اصحى يا نايم"، فلم يتمالك نفسه وناداه ممازحًا: "يا حاج رمضان خلص.. إحنا فطرنا خلاص!".
بين زيارات "الحسين" وتناول "المحشي" على موائد الأصدقاء المصريين، وصناعة "قمر الدين" في المنزل، يعيش منيب، تفاصيل تعوضه قليلًا عن صخب الشباب الذي يفتقده في غزة.

سوريا ومصر.. روح واحدة والاحتفال المبكر
وإذا كان منيب قد وجد العائلة، فإن محمد يحيى (45 عامًا)، القادم من سوريا، قد وجد "توأم الروح"، فمنذ عام 2012، لم يشعر يحيى للحظة أنه غريب، إذ يرى أن المعادلة بسيطة: "مصر وسوريا واحد.. نفس الروح ونفس الطيبة"، لكن المفارقة التي رصدها تكمن في "توقيت الفرح" فبينما تبدأ ملامح الشهر في سوريا مع أول أيام الصيام، تسبق مصر الزمن، فتعلن الشوارع عن رمضان قبل حلوله بشهر كامل عبر الأنوار والزينات.
هذه الفرحة والزينة المحببة إلى يحيى دفعته لنقل العدوى إلى محيطه، فصار يزين منزله، ومدخل العمارة التي يسكن فيها، وحتى مكان عمله، مصرًا على أن الغربة لن تنتزع منه البهجة.
ويراهن يحيى على “الألفة في مصر”، معتبرا أنها عملة نادرة لا توجد بهذا الزخم في أي دولة في العالم. وقال: "الناس هنا طيبة.. وده اللي بيخلينا نحس برمضان بجد".

الخرطوم في القاهرة.. "حلاوة" البدايات ومذاق "الكركديه"
ومن فلسطين المحتلة وسوريا الوليدة، يحمل الهاربون من جحيم السودان، ذكرياتهم ليمزجوها بالنكهة المصرية، حمدي (32 عامًا)، ومحمد (35 عامًا)، وأحمد (ثلاثيني)، ثلاثة سودانيين وجدوا في "المحروسة" ما يخفف عنهم وطأة البعد عن الديار.
يتفق الثلاثة على أن لمصر "سرًا" يجعل لرمضان مذاقًا سابقًا لأوانه، يصف حمدي الأمر بـ"شيء حلو" يجعلك تستشعر الشهر قبل قدومه، وقد استبدل عاداته تدريجيًا، فصار "الكركديه" و"البسبوسة" ضيوفًا دائمين على مائدته، رغم حنينه الجارف لـ"الحلو مر" و"العصيدة" المعروفة في بلاده.
أما أحمد، الذي يقضي رمضانه الثالث هنا، فقد وجد في طقس القاهرة المعتدل وتسارع ساعات اليوم ما ينسيه العطش، لكن تظل تجربته الأبرز هي دعوته للإفطار في حي المطرية الذي يسكن فيه، وهي التجربة التي وصفها بالمميزة، حيث تتجسد فيها روح الكرم المصري في أبهى صورها.
ورغم انبهارهم بالأجواء والزينة التي يصفها محمد، بأنها "حركة حلوة"، يظل الحنين للإفطار البسيط أمام المنازل في شوارع السودان، وبين الجيران، غصةً في القلب تداويها حفاوة المصريين.


لغة الأرقام.. "الملايين" في حضن النيل
هذه الحكايات الفردية ليست إلا قطرة في بحر من الإحصاءات التي تكشف حجم المسؤولية التي تتحملها القاهرة، فوفقًا لبيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تشير التقديرات إلى أن أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر حتى نهاية عام 2025 قد بلغت نحو مليون و98 ألف شخص، ينتمون إلى قرابة 60 جنسية.
اللافت في لغة الأرقام، هو القفزة الهائلة خلال عام 2025 وحده، حيث تم تسجيل قرابة 299 ألف لاجئ جديد، كان للأشقاء السودانيين نصيب الأسد من هذه الأرقام، خاصة بعد اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، ليقفز عددهم المسجل لدى المفوضية إلى أكثر من 834 ألف لاجئ، يليهم السوريون بنحو 117 ألفًا، في حين يتوزع باقي العدد البالغ نحو 146 ألفًا على جنسيات أخرى. هذه الأرقام الضخمة لم تكن مجرد إحصائيات في جداول، بل بشرًا وجدوا مكانهم على موائد الرحمن وفي قلوب المصريين.

الاحتواء النفسي.. "أنت إنسان ولست غريبًا"
ترى وزيرة الهجرة السابقة، الدكتورة سها الجندي، أن المصريين يترجمون كرمهم في رمضان إلى "تكامل اجتماعي"، حيث يستقبل اللاجئون في موائد الرحمن دون أي تمييز عرقي، بينما يحافظ هؤلاء الضيوف على هويتهم عبر إعداد أكلاتهم التقليدية، في توازن دقيق بين الاندماج والاحتفاظ بالجذور، مؤكدة أن المشاركة في فعاليات المجتمع المضيف لا تتعارض مع تمسكهم بهويتهم الأصلية.
وأوضحت سها الجندي في تصريحات لـ"تليجراف مصر" أن كل جنسية وتجربة لاجئ تختلف حسب ظروفه وطول إقامته، لكن روح رمضان في مصر تمنحهم شعورًا بالانتماء والانخراط في المجتمع مع الحفاظ على هويتهم.

اللاجئون أكثر الفئات احتياجًا للمساعدات
يقول محمود، 34 عامًا، ويعمل في مؤسسة مصر الخير منذ 10 سنوات، إن شهر رمضان يمثل موسمًا مكثفًا للعمل الإنساني، حيث يتم توزيع كراتين مواد غذائية بشكل يومي على الأسر الأولى بالرعاية، ومن بينهم لاجئون، مؤكدًا أن اللاجئين من أكثر الفئات احتياجًا، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي مربها كثير منهم.
ويضيف أن المؤسسة لا تكتفي بتوزيع المساعدات، بل تنظم أيضًا إفطارات جماعية وخيمًا رمضانية في عدد من المحافظات، مشيرًا إلى أن العمل التطوعي لا يفرق بين مصري ولاجئ: "الجميع يشارك ويستفيد دون النظر إلى الجنسية، فالمعيار الأساسي هو الاحتياج".

ومن زاوية التحليل النفسي، يضع استشاري الطب النفسي، الدكتور عمرو سليمان، يده على الجرح والترياق؛ إذ يرى أن المجتمع المصري يمارس ما يمكن تسميته بـ"الاحتضان النفسي".
ولفت سليمان إلى أن اللاجئ في مصر لا يعامل كـ"آخر"، بل كجزء من النسيج، مستشهدًا بجملة قالها له أحد اللاجئين: "في مصر لا يسألونك من أين أنت، بل يتعاملون معك كإنسان".
وأوضح أن هذا الشعور بالانتماء، المدعوم بطقوس جماعية صاخبة ودافئة، هو ما يذيب جبل الجليد الذي تخلقه الغربة، مضيفا: "في رمضان، لا يصبح اللاجئ ضيفًا، بل فردًا في البيت الكبير".

اقرأ أيضا:
في المنازل والشوارع، سر تمسك المصريين بـ زينة رمضان رغم الظروف الاقتصادية
الأكثر قراءة
-
سعر صرف الدولار مقابل الجنيه اليوم الإثنين 23 فبراير 2026.. بكم الآن؟
-
موعد عرض مسلسل الست موناليزا والقنوات الناقلة
-
الاستعلام عن منحة التموين بالرقم القومي 2026.. رابط وخطوات
-
لرفضها خطوبته، شاب ينهي حياة حبيبته وسط الشارع في الخصوص
-
مأساة 320 مصريا.. مواطن يزعم إجبار معتمرين بالتوقيع على إيصالات أمانة بـ15 مليون جنيه
-
غربة اللاجئين تذوب على موائد المصريين.. هاربون من الحرب إلى أضواء رمضان في الحسين
-
السجن 5 سنوات للمتهم بتهديد المحامية نهاد أبو القمصان
-
أسعار الفضة اليوم الإثنين 23 فبراير 2026.. تراجع جميع الأعيرة في مصر
أخبار ذات صلة
أزمة خرائط الحدود بين العراق والكويت تعود للواجهة، كيف بدأت وما موقف مصر؟
23 فبراير 2026 02:39 م
بعد فشل الرسوم.. كيف يمكن لـ ترامب إخراج أمريكا من أزمة الديون؟
23 فبراير 2026 12:10 م
"الوزارة في جيبي".. رحلة عمرة تتحول إلى مأساة لـ320 مصريًا بمكة المكرمة
23 فبراير 2026 12:46 م
من أهوال الحرب إلى أسطورة.. كيف صاغ مودريتش المجد وسط الدمار؟
22 فبراير 2026 11:31 م
أكثر الكلمات انتشاراً