الإثنين، 09 مارس 2026

09:20 م

شحررة الدين وعكشنة السياسة! | خارج حدود الأدب

ورد في بعض كتب التراث العربي حكاية طبيب بارع، قيل إنه كان يعيش في العراق، وقد ذاع صيته في بلاده، وكان يتطبب على يديه القاصي والداني، وقد كان هذا الحكيم يكتب ملاحظاته ووصفاته واستنتاجاته في دفتر، ليعود ويراجع ما كان قد وصل إليه من علم مبني على التجربة والقراءة.

وقيل إنه كان قد أنجب توأمين، أحدهما كان موهوبًا جدًا، تبع أباه في كل علومه ومهاراته، واستقى من رحيق خبراته، حتى بوفاة أبيه حل محله، بل كاد أن يضاهيه في علمه وبراعته، وأخذ يضيف إلى دفتر أبيه المزيد من الوصفات، وأجرى الله على يديه الشفاء والعلاج.

ولكن الحياة لم تمهله لاستكمال مسيرة أبيه، ليجد التوأم الثاني أنه قد استأثر بإرث أبيه وأخيه لنفسه، ولم يكن ليتخلى عن تلك السمعة وذلك الإرث، على الرغم من أنه أبدًا لم يكن على علم بالطب، ولم تكن لديه المهارة أو الخبرة أو حتى الموهبة، ولكنه وجد بين يديه الدفتر الذي يحوي الأمراض والوصفات، فقرر أن يستخدمه في أن يتعلم، لعله يظفر بهذا الإرث ويستكمل المسيرة.

وأخذ يستقبل المرضى في مجلس بيتهم كما جرت العادة، بينما يحاول فك طلاسم الأمراض ويجد لها العلاجات من دفتر أبيه، وبينما هو عاكف على هذا الدفتر يقرأه، وجد ضالته في جملة سحرية قرأها بين سطور هذا الدفتر، وكانت تقول: «في الحية السوداء شفاء لكل داء».

وانطلق يبحث عن كل حية سوداء تسعى في الأرض أو تختبئ في جحور الصحراء، وأخذ يعالج مرضاه، تارة بسمومها وتارة بلدغاتها، لكن أيًّا من أولئك المرضى لم تتحسن حالته، بل ساءت، ومات منهم نفر كثير، ولما تفشى الموت في مرضاه شكّ الناس في أمره، فاجتمعوا عليه وفتشوا بيته.

ليجدوا جرارًا وقوارير ملأى بالحيات السوداء وسمومها، فلما سألوه عن ذلك كشف لهم سر ما قرأه في الدفتر، فطلبوا منه أن يطالعوه، ولما أتاهم به وجدوه فقط قد قرأه بشكل خاطئ؛ فبدلًا من: «في الحبة السوداء شفاء لكل داء»، استبدل الحبة بالحية، فيما يُصطلح في اللغة بـ«التصحيف»، فصار ذلك الرجل، الذي كان يُدعى «توما الحكيم»، أمثولةً في الجهل وادعاء العلم، حتى رُوي هذا الشعر على لسان حماره:

«قال حمار الحكيم توما … لو أنصفوني ما كنتُ أُركب
لأنني جاهل بسيط … وراكبي جهله مركب».

واليوم، لو أنشأ الله عظام هذا الحمار من جديد، لتفاجأ بهذا الحضور الطاغي للعديد من أمثال توما الحكيم، الذين يتشدقون بعلم ما لهم به من سلطان، ويتحدثون عن فتوحات ما اقتربوا لها من باب، ويباهون بفهم لم يؤتوه، ويستطلعون مستقبلًا لا يعلمه إلا الله.

فمثلًا في الدين، فتجد من قرأ كتابًا أو اثنين، وسمع بضع محاضرات تتحدث عن شبهات قُتلت بحثًا في الماضي والحاضر، فيتعجب، فيذهب إلى المصحف لعله يتأكد، من ثم يفهم، أو هكذا هُيِّئ له، تمامًا كتوما الحكيم الذي هُيِّئ له أنه فهم دفتر أبيه، ثم يأتي صديقنا هذا لينشر علومه وفتوحاته على عوام الناس المتعطشين لعلمه، فتُفرد له المساحات، وتستضيفه المحطات، وتُنشر له الفيديوهات والمناظرات، كأنه العلامة الفهامة الذي أتى بما عجز عنه الأولون والآخرون، وينشر هذا الشحرور أفكاره تلك تحت شعار تجديد الدين، وكأن الدين قد هرم وكان ينتظر عبقريته الفذة ليحيا من جديد، ولا أسمي ما يفعله سوى «شحررة الدين».

ولو تدبرت حاله لوجدته أبعد ما يكون عن هيئة العلماء، عن خلقهم، عن فكرهم، عن منطقهم، وبالتأكيد عن حجتهم؛ فسلاحه صوته العالي، ودرعه تطاوله، وجل علمه آيات وعبارات حفظها وجرت على لسانه دون أن تمر على عقله، ويباهي أمام الناس بحكمته الزائفة وعلمه الخرب.

أما في السياسة، فتجد كل من هب ودب قد أصبح توما الخبير؛ فتمامًا كتوما، يقرأ كتابًا أو يشاهد تحليلًا، ومن ثم ينطلق في تحليلاته اللوذعية واستشراقاته الألمعية، فيجلس على كرسيه كدكتور وخبير سياسي استراتيجي، البط يجري من حوله، والبهائم تهيم في برسيمها من خلفه، والكاميرا من أمامه، يطلق تحليلاته الفريدة وتوقعاته البعيدة.

وبعد المئات من التوقعات الجوفاء، يصادف إحداها الواقع ويتحقق –لسوء الحظ–، فيملأ صديقنا الدكتور الدنيا صياحًا: «أنا صح، عمرو زكي جبته من إنبي».

بل يعير المجتمع بعلمه وفهمه واستقرائه المستقبل؛ فهو الظاهرة الذي فك طلاسم السياسة، وما أسمي حالته تلك إلا «عكشنة السياسة»، وفجأة تتكالب عليه القنوات والبرامج للانفراد بتوقع أو تحليل لهذا الفلتة العلامة، وقد تغاضوا عن تسعة وتسعين توقعًا مكذوبًا أو يزيد، ويا ويلك لو اقتربت من شخصه العظيم بنقد أو قدح؛ تصبح عدو النجاح، الحاقد الفاسد، الفاشل اللئيم، تحاول الإساءة للذات السياسية.

وعلى ذكر توما الحكيم والدين، فما كان القرآن عنه ببعيد؛ فقد وصف الرحمن في كتابه الكريم أمثاله ممن يحملون كتبًا لا يفقهونها في سورة الجمعة حين قال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. ونعود من جديد لذكر حمار توما وبيته الشهير، وكأن للحمار من هذا المقال النصيب الكبير؛ فكما استنكر الله عز وجل صوت الحمير، نتمنى أن يخفض كل توما من صوته، ويمسك عليه لسانه وعلمه المزعوم، لأن انتشار أصدقاء توما الحكيم سيجر المجتمع إما إلى شحررة الدين أو إلى عكشنة السياسة أو بالتأكيد سيأخذه «خارج حدود الأدب».

search