الخميس، 02 أبريل 2026

01:37 م

بقلم سوسن عز العرب

القاطرة لن تنتظر أحد

الدكتور مصطفى مدبولي يعرف المصريين جيدا، ويعلم ان ما أعلنه ليس على هواهم، يعلم أنه سيهُاجم بضراوة مع لحظة الإظلام كل يوم، ففي قاموس المصريين، القاهرة ساهرة إذن هي عامرة، يقدسون سهر الليل ويتغنون بسماه ونجومه وقمره، هو وقت الذروة المحبب في أيامهم، الليل يغسل قسوة الحياة وما تفيض به نهاراتهم من تعقيد، يطمئنون ليلا أن حنان الحياة موجود وحاضر، يأتنسون به ويأتنس بهم، فكيف يمكن لهم تصور أيامهم دون هذا الونس الذي ألفوه وألفهم لعقود؟

مصر تضررت من الحرب الدائرة، كتضرر سائر بلاد المنطقة العربية وأكثر، اقتصاديا وسياسيا الوضع مأزوم، والأرقام لا تكذب، والرؤية لنهاية الصراع ضبابية، العالم كله في مضيق عند المضيق، ولا صوت يعلو فوق صوت حرب شلت أوصال النظام العالمي كما نعرفه، الواقع أن مصر في قلب الأزمة عمودا أساسيا بموقعها وثقلها وقدرها ودروها، ورغم كل المساعي المضنية لوضع خط نهاية قريب، إلا أن المؤشرات تفصح عن استمرار صراع متصاعد، العالم كله بلا طاقة ولا شريان تجارة ولا استقرار ولا استثمار، أي كارثة هذه التي حلت دون استئذان على كرة أرضية لا تزال في مراحل التعافي من وباء!

تكاليف الوقود المرتفعة

الوضع يفرض وقفة، وظهر رئيس الوزراء معلنا ما يعلم يقينا أنه ظلام بالمعنى الحرفي للكلمة، ما باليد حيلة، إجراءات الإظلام ما بعد التاسعة ستوفر استهلاك الطاقة والتآكل السريع لما كدحنا طويلا لتوفيره من العملة الصعبة، واللافت هذه المرة، ليس فقط مضمون القرارات، بل طريقة تقديمها وإدارتها، فخطاب د.مدبولي يتضمن رسائل منها الصريح ومنها المستتر، بدأ بتمهيد وتدريج محسوب، ثم انتقل إلى نبرة حسم لا يحتمل التأويل، القرارات تحمل إجراءات في جوهرها قفزات كبيرة، وهدف أعلنه واضحا، وهو توفير الكلفة المتضاعفة للطاقة في ظل حرب فرضت أوزارها على الجميع، فاليوم قد تكون المعضلة في تكاليف الوقود المرتفعة، ولننتظر، لربما مع توقف حركة الحاويات وغيرها من إجراءات عالمية اتخذتها جميع الدول حفاظا على مخزونها، قد تحمل الأيام المقبلة ازمة اكبر مع عدم توفره عالميا من الأساس!

الواضح أن الحكومة تتحرك في طريق محدد، لا مجال فيه للتردد أو الحياد، ما يدل على وجود متغيرات حقيقية تجري على الأرض، تتطلب انتباهًا كاملًا من الجميع.


إذن، ما هي الخيارات أمامنا؟ الحياة لابد سارية، سيتقبل المصريون تغير نمط أيامهم مؤقتا، هذا ما يرجوه الجميع، أما في سياق العمل والإنتاج والاقتصاد، فنحن أمام سيناريوهات ثلاث.

الأول تم تفعيله مباشره منذ لحظة الإعلان وهو الرفض ومقاومة الفكرة من الأساس، انغماس في النقد اللاذع للحكومة، ما بين التحليل والترهيب من العواقب والاجتهاد في بحث البدائل لقرار الإغلاق العام في التاسعة مساءا.. حق لا يمكن مصادرته، لكنه لم يحرك الأمر قيد أنملة.

الاتحاه الثاني، حزب استغلال اللحظات الملتبسة، فيما قد يظنه البعض فهلوة، خاصة ممن يعملون بعقود أو تعيينات، سواء في القطاع العام او الخاص، كفرصة لتقليص واجبات العمل والمطالبة بزيادة علاوات او مكافآت او استثناءات -تتحول لثوابت لاحقا- واعتبار قرار الحكومة بالعمل من المنزل فرصة للمماطلات التي تخضع للظروف، وأولها اللوم على القصور التقني، تلك الحجة التي لن يخلو منها مجال بأي حال، حيث البنية التحتية الرقمية رغم كل ما تم انجازه من تطوير لا تزال بحاجة إلى الكثير وغير مجهزة لتحمل الضغط الاضافي لهذا العدد من المستخدمين، بالإضافة للتكلفة المرتفعة لباقات الإنترنت واجهزته وتجهيزاته، وهو ما لم تبادر شركات الاتصالات بالمساهمة في توفيره بأسعار افضل خلال الأزمة رغم ما تحققه من مكاسب هائلة!
 

وكأنّها عودة لشبح أجواء الكوفيد، ولكن يكفي القول، بأن هذا النمط من التفكير كان له ما يبرره وقت الجائحة، في سياق استثنائي له أبعادا صحية وطبية، أما الآن، فالوضع مختلف تمامًا، ومن يستمر بهذا المنطق، يضع نفسه في موقع الخسارة وسط منافسة عنيفة، وفرص بدائل متقلصة في سوق عمل لا يرحم.

أما التوجه الثالث فهو السباحة مع تيار تغير الإيقاع، والذي سيكون واقعا لابد منه، يقينا نحن أمام مرحلة لن تحتمل ضغوطًا اقتصادية إضافية، ولا بديل عن انضباط العمل والإنتاج في جميع القطاعات، مع ترشيد الاستهلاك، وتغير عاداته، على أمل تحقيق النتائج المرجوة، لكن لابد أن هناك أعراضا جانبية قاسية على المدى القصير، تلك طبيعة أي تحول، والمؤكد أن الترهيب والضغوط والنداءات التي وضعت أمام الحكومة لم ولن تحرك التراجع الكلي عن القرارات ولا حتى طرحته خيارًا قريبا.

على المصريين التخلي عن ونس الليل

إذن، علينا التكيف، والخير في التبكير، سيكون على المصريين التخلي عن ونس الليل لفترة لابأس بها، الكل يسعى ليحافظ على اللقمة الحلال ومصدر الرزق، يحمل حملا ثقيلا، كل قرش من الدخل أصبح ضروريا في ظل أزمة اقتصادية مست كل بيت، نعيش ظروف تقل فيها فرص التوظيف، وتتزايد فيها أهمية كل مورد مالي للأسرة، فبجانب كل ما يحدث بسبب الحرب الدائرة في المنطقة من تغيرات، هناك تغير آخر موازٍ يسير بسرعة البرق، وسيمثل فارقا جذريا، فلن يمر وقت طويل حتى تكون الأفضلية للذكاء الاصطناعي، هذا الحاضر الجديد الذي يقصف بلا رحمة، مهن وخبرات ستختفي، هو ببساطة بديل أقل كلفة دون متطلبات معقدة، لذا ليس هناك مجال للهدر، ولا وقت للانشغال بالآخرين، الكل منشغل بتأمين موقعه ومكانته وموارده وحياته، ولم تعد مواجهة التحديات تحتمل رفاهية التأجيل، فالمراقب عن بعد، خاسر بالضرورة.

القرارات الأخيرة لمجلس الوزراء

ماذا بعد؟ هذا هو السؤال الذي يشغل الجميع اليوم، ولا أحد يملك إجابة حقيقية، إنما يمكن قراءة القرارات الأخيرة لمجلس الوزراء باعتبارها وقفة لإعادة التشكيل وضبط أولويات الدولة التي تدعو الجميع لفعل الشيء نفسه. 
والخلاصة، النتائج هي المعيار، فلن تسير القاطرة بالنوايا الطيبة، والحكومة تقول للجميع .. انتباه، القاطرة لن تنتظر أحد!

search