حرب المسيّرات.. والكرامة المستردة
هل تذكرون ذاك المشهد القاسي الذي حاصر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيمس فانس الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنيسكي في اجتماع مهين داخل البيت الأبيض؟
لقد هاجمه ترامب بكل ما يحمله من نرجسية وجنون عظمة بغيضة، وقال له “يجب أن تظهر مزيداً من الاحترام للبلد الذي يدعمكم”، وأكمل نائبه موجهاً الحديث للرئيس الأوكراني “قل شكراً للولايات المتحدة، ورئيسها الذي يحاول أن ينقذ بلادكم”.
زيلنيسكي المسكين حاول الدفاع عن نفسه ووطنه، لكن أكمل عليه ترامب: "لولا أننا أعطيناكم مُعدّات عسكرية لكانت حربكم ضد روسيا انتهت في غضون أسبوعين اثنين".
بعد عام واحد من هذه الجلسة العاصفة المهينة، تحولت أوكرانيا من متلق بائس للمساعدات العسكرية الأمريكية إلى المصنّع والمورد الوحيد لأهم وأرخص سلاح في الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبين الطرفين دول الخليج التي تدفع الثمن!
على مدار عقود طويلة عانت إيران تحت وطأة العقوبات والحروب، لكن النتيجة أنها تحولت نحو الداخل في كل القطاعات، وأنا هنا لست بصدد الحكم على نظامها الديني السلطوي الظلامي، فأنا أكره الفاشية بكل صورها، لكن الواقع أن هذه الدولة طوّرت صواريخها الخاصة، فضلاً عن السلاح الأكثر إزعاجاً، وهي الطائرات المسيرة طراز "شاهد" كونها رخيصة التكلفة، ويستلزم إسقاطها كلفة هائلة تتجاوز أضعاف أضعاف ثمنها.
إيران لم تنافس على الأسلحة الأغلى التي تتنافس الدول العظمى في صناعتها، لكنها طورت الأكثر إرباكاً للخصوم بأقل تكلفة!
والآن لدينا قاعدة جديدة في الحروب، ليس من الضروري أن تملك الأفضل، إذا كنت تملك ما يمكنها أن يرهق ويستنزف الأفضل!
ولأن الحاجة أم الابتكار وجدت أوكرانيا نفسها في مواجهة مسيرات إيران التي زودت بها حليفتها روسيا، وقررت خوض هذا الاختبار الوجودي بسلاح فعال وهو “العلم”.
تخيلوا معي أن المسيرة الإيرانية الهجومية التي تتراوح تكلفتها من 20 إلى 50 ألف دولار تكبد الطرف المستهدف صاروخ باتريوت تبلغ قيمته مليوني دولار أو أكثر من صاروح لإسقاطها، فيما أن تكلفة الطائرة المسيرة الأوكرانية الدفاعية "ستنج" ألفي دولار فقط، وهكذا لم يعد الدفاع أغلى من الهجوم بل أذكى منه.
أوكرانيا الآن تتعامل باحتراف واجب، وترسل خبراءها إلى دول الخليج والولايات المتحدة لتدريبهم على مواجهة المسيرات الإيرانية، واستخدام أنظمتها الدفاعية قليلة التكلفة، لتثبت أن القيمة لم تعد ما تملكه الدول من سلاح في مخازنها فقط، بل فيما تستطيع تطويره حين تجبر على ذلك.
ما بين تجربة إيران الهجومية، وتجربة أوكرانيا الدفاعية، هناك دروس وعبر مهمة، أولها أن التصنيع الذاتي للسلاح ليس رفاهية، والبحث العلمي ليس بنداً ثانوياً، والابتكار لم يعد خياراً، بل ضرورة سيادية، فالعالم يتغير بسرعة، والتحالفات لا تدوم، وكما نرى كل يوم، أصدقاء اليوم قد يصبحون خصوم الغد، والاعتماد الكامل على الخارج قد يتحول إلى نقطة ضعف.
لقد أجريت لقاء مصوراً مهماً مع مهندس مصري أمريكي رائد في صناعة السلاح، ولن أحرق تفاصيله المرتبطة بموضوع هذا المقال لأنه أكد لي قناعة مؤلمة مرتبطة بالفرق بين التصنيع والشراء، وسيأتي الوقت لبثها عبر “تليجراف مصر”.
الخلاصة أن التسليح التقليدي سيبقى مهمًا، لكن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بما هو أثقل وأغلى، بل بما هو أسرع ابتكارًا.. وأقل تكلفة.. وأكثر قدرة على التكيّف.
في النهاية، لا تُهزم الدول لأنها تفتقر للسلاح، بل لأنها تفتقر للعقل الذي يُنتج هذا السلاح، والعلم لا يرفع صوته في المؤتمرات، لكن حين نسمع دوي الصواريخ، يكون هو الصوت الوحيد المسموع.
ولعل الدرس الأهم الذي يجب ألا يمر مرور الكرام، أن معركة المستقبل لا تُصنع فقط في المصانع أو غرف العمليات العسكرية، بل تبدأ في قاعات الجامعات ومعامل البحث.
هناك، حيث يجلس طلاب الهندسة والعلوم، لا كمتلقين للمناهج، بل كمشروعات مبتكرين لم تُكتشف بعد، لذا توسيع مساحة الإبداع أمام هؤلاء ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة استراتيجية.
إتاحة التجريب، دعم الأفكار غير التقليدية، ربط الدراسة بالتحديات الواقعية، وخلق بيئة تسمح بالفشل قبل النجاح.. كلها ليست شعارات، بل أدوات لبناء عقل قادر على إنتاج حلول غير متوقعة.
المسيّرة التي تغيّر معادلة حرب، قد تبدأ كفكرة مشروع تخرّج، ونظام الدفاع الذي يحمي مدينة، قد يولد من تجربة داخل معمل جامعي صغير، والدول التي تستثمر في خيال طلابها اليوم.. لن تضطر لشراء أمنها غدًا.
الأكثر قراءة
-
هل يعلن وزير التربية والتعليم تعطيل الدراسة الأربعاء والخميس بسبب الطقس؟
-
قصة ماجد عبد الرازق ضابط الشرطة الذي ضحى بحياته لإحباط مخطط الإرهابي علي عبد الونيس
-
"من وقت ما رفضوني وأنا حالي متغير"، ننشر اعترافات المتهم بإنهاء حياة ميرنا فتاة الخصوص
-
بعد وفاتها.. من هي الفنانة فاطمة كشري ولماذا سُميت بهذا الاسم؟
-
ستاندرد آند بورز: الجنيه يواجه رحلة تراجع تدريجي أمام الدولار حتى 2029، كم سيصل؟
-
هل المدارس إجازة غدًا الإثنين 30 مارس 2026 في مصر؟
-
قرارات وزير التربية والتعليم اليوم حول تعليق الدراسة بسبب الطقس
-
سعر صرف الدولار مقابل الجنيه اليوم الإثنين 30 مارس 2026 في البنوك
مقالات ذات صلة
رسالة من مصري في الخارج إلى من يكرهونه
01 فبراير 2026 01:20 م
الشخصية الـ"ميدو" كلاكيت تاني مرة
19 يناير 2026 06:46 م
مصر للطيران.. ليلة صعبة ورحلة مؤلمة!
21 ديسمبر 2025 01:01 م
المتهمات بالفرحة!
22 يوليو 2024 07:03 م
أكثر الكلمات انتشاراً