صناعة الغضب
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل أصبحت تُدار أيضاً عبر شاشات صغيرة نحملها في جيوبنا.. فبضغطة زر، يمكن إشعال معركة كلامية بين شعبين، وبمقطع مبتور، يمكن إعادة رسم صورة كاملة عن دولة أو مجتمع.
في منطقتنا العربية، تظهر بين الحين والآخر موجات من التراشق على مواقع التواصل، تبدو في ظاهرها خلافات عفوية بين مستخدمين، لكنها كثيراً ما تحمل بصمات حملات موجهة، تعرف جيداً أين تضغط، ومتى!
اللافت أن هذه الحملات لا تبدأ من فراغ، بل يتم انتقاء لحظة حساسة، مباراة كرة، تصريح إعلامي، أزمة اقتصادية، توتر عسكري، ثم يُعاد تضخيمها عبر حسابات متعددة، بعضها حقيقي، وكثير منها يعمل كـ"صدى رقمي" يكرر نفس الرسائل حتى تبدو وكأنها رأي عام.
وهنا يظهر الخيط الرفيع الذي يجب الانتباه إليه:
العلاقة بين الشعوب في الواقع أكثر تعقيداً وعمقاً من الصورة التي تُرسم على السوشيال ميديا.
ملايين المصريين عملوا ويعملون في دول الخليج، وملايين العلاقات الإنسانية والاقتصادية تشكلت عبر عقود، وهذه الحقائق لا يمكن إنكارها حتى لو حجبت مؤقتاً بسبب ضجيج مفتعل.
وما يجب أن ندركه جيداً أن خلف هذا الضجيج، تعمل آليات أكثر تنظيماً مما يبدو، وما يُعرف اصطلاحاً بـ"الجيوش الإلكترونية" لم يعد مجرد توصيف إعلامي، بل واقع رقمي قائم على إدارة حسابات بكثافة، وتوجيه رسائل متشابهة في توقيتات محسوبة، لخلق انطباع بوجود موجة غضب واسعة.
هذه الحسابات لا تحتاج أن تُقنعك بالحقيقة، بل يكفيها أن تُغرقك بالتكرار، حتى يصبح الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيراً، لا الأكثر دقة.
المثير أن هذه الحملات لا تسعى دائماً لإقناعك بفكرة محددة، بل أحياناً يكفيها أن تزرع الشك، أو تُشعرك بأن الطرف الآخر في حالة عداء دائم معك، ومع الوقت، يتحول هذا الإحساس إلى "حقيقة نفسية"، حتى لو لم يكن له وجود فعلي على الأرض.
وهنا يتحول النقاش من رأي إلى تحريض، ومن اختلاف إلى فتنة، ويتحول المستخدم العادي، مثلي ومثلك - دون أن يشعر - إلى جزء من منظومة أكبر، تعيد إنتاج نفس الرسائل، وتدفع بنفس الاتجاه.
وتظل الحقيقة التي لا تظهر على "الترند" هي أن ما يجمع الشعوب أكبر بكثير مما يفرقها، وأن هذه العلاقات، رغم ما تتعرض له من تشويش، أثبتت عبر الزمن أنها أكثر صلابة من موجات عابرة تُصنع خلف الشاشات.
أخطر ما في الفتنة، أنها لا تحتاج أن تصدقها، إذ يكفي أن تتفاعل معها، وفي زمن يمكن فيه لصورة واحدة أن تُشعل غضب آلاف، لا يمكن أن يكون الوعي رفاهية، بل ضرورة.
قبل أن تضغط زر "المشاركة" توقف لحظة واسأل نفسك: هل هذه قناعتي، أم مجرد صدى لما أراد غيري أن أراه؟
الحروب الحديثة لا تحتاج جيوشاً تقليدية، إذ يكفيها جمهور غاضب، فإذا لم تنتبه، قد تكتشف متأخراً أنك لم تكن طرفاً في النقش، بل كنت أداة مجانية فيه!
الأكثر قراءة
-
بعد خسارة الفراعنة أمام الأرجنتين.. اعتراف غير متوقع من حكم كأس العالم
-
هل تعاد مباراة مصر والأرجنتين؟
-
رغم الإجماع العالمي.. محمد عادل يبرئ الحكم الفرنسي من تهمة محاباة الأرجنتين
-
سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري اليوم.. تحديث جديد
-
شقق بديل الإيجار القديم 2026.. موعد غلق باب التقديم وخطوات التسجيل
-
بعد ضبط المتهم.. شقيق ضحية الدهس بالشروق: "أمي ماتت وهي مستنية الخبر" (خاص)
-
بعد بصق حسام حسن على علم إسرائيل.. موقع عبري: لماذا يكرهنا المصريون؟
-
توترات أمريكا وإيران تدفع الدولار لتجاوز هذا الرقم أمام الجنيه
مقالات ذات صلة
حسام حسن.. قصة بطل شعبي
07 يوليو 2026 11:17 ص
"المنفسنون" يمتنعون اليوم!
03 يوليو 2026 03:35 م
لماذا يكرهون الساجدين؟
26 يونيو 2026 04:25 م
أبوان جاحدان.. وطفل باعه الجميع!
12 يونيو 2026 02:42 م
المستشار محمد نجيب يكتب: حين تصبح المحاسبة أمراً غريباً!
08 يونيو 2026 07:06 م
من سجل وسرّب حديث "نهاد أبو القمصان"؟!
03 يونيو 2026 06:07 م
المستشار محمد نجيب يكتب: نحن نولد خبراء
02 يونيو 2026 07:06 م
عندما تتحول "الكرة" إلى "كراهية"!
30 مايو 2026 07:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً