الثلاثاء، 21 أبريل 2026

07:27 م

إشادة دولية رغم عواصف الحرب.. كيف نجحت مصر في إدارة سعر الصرف؟

عملات نقدية أمريكية

عملات نقدية أمريكية

أشادت مؤسسات دولية خلال الأيام الماضية، بأداء البنك المركزي في إدارة ملف سعر الصرف، رغم التحديات القوية التي فرضتها التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي انعكست بشكل مباشر على تدفقات الاستثمار الأجنبي.

ووفقًا لبيانات البورصة، فقد تجاوزت استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل، والمعروفة بـ"الأموال الساخنة"، نحو 3.1 مليار دولار خلال النصف الأول من شهر أبريل الجاري، وهو ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في ثقة المستثمرين تجاه أدوات الدين المصرية.

وخلال فترة حرب إيران التي بدأت مع نهاية فبراير الماضي خرج نحو 10 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من السوق المصرية، في ظل حالة عدم اليقين التي دفعت المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر.

القرار الصحيح

وأشاد المحلل الاقتصادي، روبن بروكس، الرئيس السابق للاستراتيجية العالمية في معهد بروكينجز، بأداء الجنيه أمام الدولار، معتبرًا أن مصر اتخذت "القرار الصحيح" بالسماح بانخفاض العملة بشكل مبكر، بدلًا من تأجيل التصحيح كما كان يحدث في السابق.

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

وشهد سعر صرف الجنيه، تراجعًا ملحوظًا خلال نفس الفترة، إذ فقد نحو 13.9% من قيمته أمام الدولار، بما يعادل انخفاضًا يقارب 6.67 جنيه، ليقترب من مستوى 55 جنيهًا بنهاية الشهر، وخلال أبريل الجاري، سجل الدولار تراجعًا جزئيًا في مكاسبه، ليعود إلى مستوى 51 جنيهًا تقريبًا.

وفي تحليل نشره عبر منصة سبوتنك، استند بروكس إلى الإطار النظري الذي طرحه كل من جييرمو كالفو وكارمن راينهارت في دراستهما الشهيرة عام 2002 حول "الخوف من التعويم"، والتي تشير إلى أن العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة تتجنب تحرير أسعار الصرف خشية التقلبات، ما يؤدي في النهاية إلى أزمات أكثر حدة.

يستحق إشادة كبيرة

وأوضح بروكس أن مصر كانت لسنوات مثالًا واضحًا على هذا النمط، إذ اعتمدت على تثبيت سعر الجنيه مقابل الدولار رغم تعرضها لصدمات خارجية متكررة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، باعتبارها من كبار المستوردين، مشيرًا أن هذا النهج كان يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، قبل أن تضطر الدولة إلى خفض مفاجئ وكبير في قيمة العملة، يعقبه ركود اقتصادي وضغوط معيشية ممتدة.

لكن، وفقًا للتحليل، نجحت مصر مؤخرًا في كسر هذا النمط، عبر السماح بتراجع العملة بشكل مبكر، ما ساهم في تفادي سيناريوهات أكثر حدة كان من الممكن أن تظهر لاحقًا.

واعتبر بروكس أن هذا التحول "يستحق إشادة كبيرة"، رغم تكلفته قصيرة الأجل المتمثلة في ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة تكلفة الواردات، مؤكدًا أن الخفض التدريجي يظل أقل تكلفة من التخفيضات الحادة والمفاجئة.

اقتصادات ناشئة

وسلط التحليل الضوء على تميز التجربة المصرية مقارنة ببعض الاقتصادات الناشئة، حيث لا تزال دول مثل تركيا تميل إلى التدخل لدعم عملتها، بينما تواصل باكستان اتباع سياسات أكثر ارتباطًا بالدولار.

في المقابل، أشار إلى أن الهند تُعد من الدول التي تتمتع بمرونة نسبية في سعر الصرف، لكنها تاريخيًا أقل "خوفًا من التعويم" مقارنة بمصر أو الأرجنتين، ما يجعل التحول المصري الحالي لافتًا.

امتصاص الصدمات الخارجية

من جانبه، أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن اعتماد البنك المركزي المصري سياسة سعر صرف مرن، يحدد فيها السعر وفقًا لقوى العرض والطلب، يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، بما في ذلك تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

ولفت أزعور خلال مؤتمر صحفي في واشنطن الأسبوع الماضي، إلى أهمية بناء الاحتياطيات الأجنبية، والتي سجلت نحو 52.8 مليار دولار، ما يوفر قدرًا أكبر من الاستقرار والثقة في السوق، مشيرًا إلى الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر عبر برامج متتالية، إلى جانب تعزيز هوامش الأمان، تسهم في تمكين الاقتصاد من التعامل بشكل أفضل مع التقلبات العالمية.

من جانبه، أكد الخبير المصرفي، عز الدين حسانين، أن البنك المركزي أثبت قدرة على إدارة ملف الأموال الساخنة طوال الفترة الماضية التي تخرج من الأسواق الناشئة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.

وقفزت تعاملات سوق الإنتربنك للدولار في مصر بنحو 26.3% خلال الشهر الأول من تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي الإيراني، لتسجل نحو 9.35 مليار دولار خلال مارس 2026، مقارنة بنحو 7.4 مليار دولار في فبراير السابق له.

17161495969453202511070241254125
عملات نقدية أمريكية

ويُعد سوق الإنتربنك، آلية داخلية بين البنوك المصرية، يشرف عليها البنك المركزي، لتوفير الدولار اللازم لعمليات الاستيراد وتمويل احتياجات البنوك من النقد الأجنبي عبر آليات العرض والطلب المنظمة.

وأوضح حسانين، أن هذه الارتفاعات لا تعكس وجود أزمة حقيقية في توافر النقد الأجنبي داخل الدولة، وأن السوق المحلية ما زالت تتمتع بقدر كافٍ من الوفرة الدولارية داخل الجهاز المصرفي، لافتا إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر يتجاوز 52 مليار دولار، إلى جانب امتلاك البنوك أصولًا أجنبية كافية، وهو ما يؤكد أن الإشكالية الحالية لا ترتبط بنقص الدولار، وإنما بتقلبات ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"

وارتفع صافي الاحتياطيات الدولية ليسجل 52.831 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقارنة 52.746 مليار دولار في فبراير 2026، بزيادة بلغت 85 مليون دولار، بحسب بيانات البنك المركزي.

التسعير العقابي

وأشار إلى أن ما يحدث يُعرف اقتصاديًا بـ"التسعير العقابي"، وهو أسلوب يتبعه البنك المركزي في فترات خروج الاستثمارات قصيرة الأجل، عبر تحريك سعر الصرف، بما يقلل من العائد الفعلي للمستثمرين عند تحويل أموالهم إلى الخارج، مؤكدًا أن هذه الآلية لا تعني وجود سوق سوداء أو أزمة في توافر العملة الأجنبية، بل هي أداة مؤقتة لإدارة السيولة والتحكم في حركة رؤوس الأموال خلال فترات الاضطراب.

وشدد الخبير المصرفي على أن الأوضاع الحالية ما زالت مستقرة، لافتًا إلى أن مصر لم تعد تعتمد بالدرجة نفسها على الأموال الساخنة كما كان في السابق، حيث لم تعد هذه التدفقات تُضاف مباشرة إلى الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي، بل تُدار داخل القطاع المصرفي وفق ضوابط ومعايير دولية.

اقرأ أيضًا:

بعد قرار "المركزي" الأخير.. هل تعمل البنوك غدًا الأحد؟

من المنزل.. أعلى شهادات ادخار في بنكي مصر والأهلي 2026

search