الأربعاء، 22 أبريل 2026

04:45 م

المال السايب يعلم السرقة.. كيف تجهض "الحسابات البينية" الرقابة الذاتية في الحكومة؟

تشديد الرقابة في الوزارات

تشديد الرقابة في الوزارات

تعاني بعض الأجهزة الرقابية، حالة من الضعف بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها: نقص الكوادر المؤهلة، وعدم كفاية صلاحيات الضبطية القضائية، والتداخل بين سلطات القرار والتنفيذ، إلى جانب التعقيدات الروتينية التي تعرقل عمل الرقابة الداخلية. 

ويؤكد نواب لـ“تليجراف مصر”، أن الاعتماد الأكبر يجب أن يكون على الأجهزة الرقابية المستقلة، التي تمتلك الأدوات والخبرة اللازمة لكشف المخالفات وحماية المال العام، في ظل غياب تطبيق حقيقي لمبادئ الحوكمة الرشيدة داخل بعض الوزارات.

الدور الحيوي للأجهزة الرقابية 

وأكد عضو مجلس الشيوخ، النائب خالد راشد، الدور الحيوي للأجهزة الرقابية في حماية المال العام ومكافحة الفساد، لافتا إلى أن الدستور المصري ينظم عمل الأجهزة الرقابية ويحيطها بسياج خاص، نظرًا لأن مهمتها الأساسية حماية المال العام، سواء قبل الصرف أو أثناءه أو بعده.

وأضاف راشد في تصريحات لـ“تليجراف مصر” أن هناك عددًا من الأجهزة الرقابية المهمة في مصر، مثل الجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية، وهيئة الرقابة المالية، إلى جانب غيرها من الهيئات التي تعمل على مربع الرقابة، مشيرا إلى أن جزءًا من قوة هذه الأجهزة يرجع إلى تبعيتها في كثير من الأحوال لرئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء، مما يمنحها استقلالية نسبية وقدرة أكبر على ممارسة مهامها الرقابية.

ولفت عضو مجلس الشيوخ، إلى أن هذه الأجهزة تؤدي دورًا عظيمًا في المجتمع المصري، فهي الركيزة الأساسية للكشف عن فضائح الفساد في مختلف الهيئات والمؤسسات والوزارات، موضحا أن التعويل الرئيسي يكون على هذه الأجهزة في الكشف عن المخالفات، على رأسها الرقابة الإدارية التي تقوم بدور كبير، خصوصًا بعد تعديل قانونها الذي منحها صلاحيات أوسع للتصدي للقضايا التي تمس المال العام والمجتمع.

العلاقات البينية بين الإدارات المختلفة في الوزارة الواحدة

في الوقت نفسه، أشار راشد إلى أن الأجهزة الرقابية الموجودة داخل الوزارات لا تؤدي دورها بالشكل الكافي، بسبب العلاقات البينية بين الإدارات المختلفة في الوزارة الواحدة، والتي قد تخلق حالة من التردد في الكشف عن المخالفات، خوفًا من الإضرار بصورة الوزارة بأكملها.

النائب خالد راشد
النائب خالد راشد

وتابع: “التداخل بين عمل الوزارة وخضوعها للوزير يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير الكشف عن المخالفات، وهو ما يجعل الاعتماد الأكبر دائمًا على الأجهزة الرقابية المستقلة التي تراقب من الخارج، كونها المعيار والأساس فيما يتعلق بالكشف عن المخالفات”.

استقلالية الأجهزة الرقابية

وأشار راشد إلى أن هذه الأجهزة المستقلة تمتلك أدوات متقدمة وخبرات أكبر في كثير من الأحيان من تلك الموجودة داخل الوزارات، وذلك لأن الوزارات لا تطبق مبادئ الحوكمة الرشيدة التي تدعو إلى فصل إصدار القرار عن تنفيذه وعن الرقابة عليه، مضيفا: “آن الأوان لتطبيق هذه النظم في الوزارات، التي طالما رفعت شعار الحوكمة، لكنها لم تطبق فعليًا أي جزء منه”. 

وأكمل أن الوزارات التي تقدم خدمات يومية للمواطنين هي الأكثر ضعفًا في الرقابة، بسبب كثرة الإدارات والفروع داخل المحافظات، ما يجعل الرقابة المباشرة صعبة ويخلق فرصًا واسعة للفساد، لافتا إلى أنه كلما ازدادت التعقيدات الروتينية، زادت فرص الفساد، حيث يخلق الموظف تعقيدات إضافية للمواطن. 

ونوه عضو مجلس الشيوخ لعدد من القيادات في الوزارات التي تفتقر للخبرة اللازمة لإصدار القرارات وحماية حقوق المواطنين، مما يفتح المجال للفساد والرشاوى، خصوصًا في الإدارات المحلية التي تتعامل يوميًا مع المواطنين.

وأضاف أن الرقمنة وتسهيل الإجراءات تعدان أدوات أساسية لتقليل فرص الفساد، إذ تتيح للمواطن معرفة خطوات الحصول على الخدمة وحقه فيها، مما يقلل التعامل المباشر بين المواطنين والموظفين ويحد من استغلال المال العام.

الثقافة المجتمعية المتعلقة بالمال العام

وتطرق راشد إلى الثقافة المجتمعية المتعلقة بالمال العام، مؤكدًا أن جزءًا من المشكلة يعود إلى غياب الوعي بأهمية المال العام والفصل بينه وبين المال الخاص، حيث يعتاد بعض الموظفين على استباحة المال العام دون إدراك أنه مخصص للاستخدام الرسمي.

وأضاف أن هذه الثقافة تتطلب تدخلًا تشريعيًا وثقافيًا ودينيًا ومجتمعيًا، لإعادة احترام المال العام وغرس شعور الانتماء الوطني لدى المواطنين والموظفين على حد سواء.

وشدد راشد على أن إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمال العام وبين الموظف والمواطن هي ضرورة ملحة، مطالِبًا المجتمع المدني بالمساهمة في تفكيك هذه الظاهرة التي ترسخت في الكثير من الوزارات والهيئات المصرية على مدى سنوات طويلة.

ضعف الأجهزة الرقابية 

من جانبه، انتقد عضو مجلس النواب، المهندس إيهاب منصور، ما اعتبره ضعفًا واضحًا في أداء الأجهزة الرقابية داخل عدد من الوزارات والجهات المختلفة، مشيرًا إلى أن محدودية أعداد الحاصلين على صفة الضبطية القضائية، وكذلك قلة من يملكون صلاحيات تنفيذ الأدوار الرقابية، أدت إلى تفاقم بعض الأزمات وانعكست سلبًا على الوضع الاقتصادي.

النائب إيهاب منصور
النائب إيهاب منصور

وأوضح منصور في تصريحات لـ“تليجراف مصر”، أن هناك نقصًا ملحوظًا في أعداد المخولين بالضبطية القضائية في مختلف القطاعات، مضيفًا: “المال السايب يعلم السرقة، وعندما يغيب الانضباط تنتشر التجاوزات، وهناك من يعتدي على حقوق المواطنين، وإذا لم يجد رقابة حقيقية تردعه فسيواصل هذه الممارسات”.

وأشار النائب ايهاب منصور إلى أنه من أبرز الوزارات التي تعاني نقص شديد في أعداد من يمتلكون الضبطية القضائية والأجهزة الرقابية هي الإسكان والتموين والتنمية المحلية، ما يتسبب في أزمات وتداعيات كثيرة تضر بمصلحة الدولة والمواطنين.

وواصل عضو مجلس النواب: الأزمة لا تقتصر فقط على قلة الأعداد، بل تمتد إلى غياب برامج تدريب فعالة لتأهيل الكوادر الحالية بما يمكنهم من أداء مهامهم بكفاءة، مشددا على ضرورة إعداد المفتشين بشكل جيد، وتدريبهم على أساليب الرقابة الحديثة، إلى جانب التعرف على طرق الغش والتحايل المستجدة.

وأضاف منصور أن العجز في الموارد البشرية داخل الأجهزة الرقابية بمختلف الجهات يلعب دورًا كبيرًا في ظهور العديد من الأزمات، وعلى رأسها الأزمات الاقتصادية.

دعم الأجهزة الرقابية

كما لفت إلى أن الحكومة تخصص مليارات الجنيهات سنويًا كاحتياطي، مقترحًا إعادة توجيه جزء من هذه الأموال لدعم الجهات الرقابية، سواء من الناحية المالية أو من خلال زيادة أعداد العاملين بها.

وشدد على ضرورة أن تقوم جميع الوزارات والجهات بإجراء حصر عاجل لاحتياجاتها من المفتشين وأصحاب الضبطية القضائية، والعمل على طلب أعداد إضافية، نظرًا لعدم كفاية الأعداد الحالية مقارنة بحجم المخالفات، مؤكدًا: “أي وزير لا يوفر العدد الكافي من أصحاب الضبطية القضائية، فإنه يترك المجال مفتوحًا أمام الفساد”.

اقرأ أيضًا:

مدبولي: تكليفات لجميع الأجهزة الرقابية بمتابعة الأسواق

search