الجمعة، 24 أبريل 2026

03:07 ص

د.طارق سعد

إعلام الهبِّيدة!

"أيها السادة .. إليكم النبأ التالي"

جملة مأثورة لا تخطئها أذن ولا يتشتت عنها انتباه بدأت مع بداية الإعلام بظهور الراديو ثم التليفزيون فهي الجملة التي تأتي بعدها دائماً أخبار هامة يتلقاها المتابع بثقة لأنها جاءت له من وسيط المصادر الرسمية .. الإعلام .. ناقل الخبر والمعلومات الموثوقة والموثقة.

هذا هو الإعلام وهذه هي مهمته الرئيسية وطوال رحلته يتم انتقاء ممثل هذا الوسيط الذي يخاطب الجمهور وهو "المذيع" الذي يجلس أمام الميكروفون أو الكاميرا وله دائماً مواصفات خاصة لامتهانه هذه المهنة وأهمها العلم والثقافة والموهبة ويزيد ثقله إن كان دارساً متخصصاً وكل ذلك يتم تشغليه في إطار من الضوابط والرقابة .. والحساب.

للأسف مع التقدم التكنولوجي انفتحت السماوات والأرض أيضاً فكان البث الفضائي وأصبح البث قادماً من مواقع التواصل الاجتماعي .. الآن أصبحت قادراً أن تبث أي محتوى باستخدام كاميرا الهاتف المحمول دون أي عناء ودون أي رقابة أيضاً في إعلام موازِ.

قُل ما تريد واحكي ما تريد ويخطر على بالك .. حلل أحداث .. علق على قضايا .. نازع القضاة في أحكامهم واصدر حكمك الذي تراه الأنسب .. شكك في الأجهزة الرسمية .. اخرق حظر النشر وانشر تأليفاتك.. نازع رجال الدين في آرائهم وصدر آراءك التي تقول بها أنك الأعلم والأفهم منهم وأنهم لا يصلحون.

قدم معلوماتك الخاصة التي لا يعرف أحد مصدرها ولا أنت شخصياً لكنها ستصنع "تريند" وترفع مشاهداتك حتى لو كانت حكاياتك يخجل منها الخيال .. حرض المجتمع وانشر شائعات .. كذِّب مصادر المعلومات الرسمية .. أكد على معلوماتك دائماً واوهم المتابعين أنك تملك خزائن الأسرار فلن يراجع وراءك أحد.. "اهبد" على راحتك ولا تقلق .. "كلها بقت هبيدة .. وكلها بقت إعلاميين".

الحقيقة أننا أمام فوضى منظمة غير منظمة .. فتنظيمها جاء من المحركين الكبار الذين يديرون المجتمعات بأذرع التكنولوجيا بغرض الفوضى لتتآكل ذاتياً .. أما عدم التنظيم فهو المقصود بأن يسير قطيع العشوائيين بعشوائيتهم ينخرون في وعي المجتمع ويحققون الفوضى المطلوبة وينشرونها بأكبر قدر ممكن ليغرق المجتمع وسط موجات المعلومات المضللة وتتوه الحقائق  وسط صور مشوهة يتم صناعتها بـ "الغباء الطبيعي" ويتصدر الواجهة مجموعة من الجهلاء بإعلام موازٍ مضلل خاص بهم وتبقى السيطرة للـ "هبِّيدة"!

لمن لا يدرك فنحن في معمعة حروب الجيل الرابع والخامس بأسلحتها التكنولوجية المتطورة وهذه الفئة من "المسيرات" بلا عقل تقصفنا بصواريخ "الهبد" المحرمة مجتمعياً في غفلة من أي غطاء دفاعي أو مواجهة لصد عدوانها فلا رقيب ولا حساب ولا عقاب ولا ردع يفك هذا الاشتباك ويبقى الوضع كما هو عليه .. "اهبد وعٌك .. ومحدش هيفُك"!

أصبح من الأهمية القصوى اتخاذ خطوة حاسمة وسريعة لمواجهة هذا الخطر فالأمر ليس رفاهية بل وصل لغاية في الخطورة وتحول لتهديد مرعب لأمن وسلامة المجتمع فهؤلاء "الهبِّيدة" سلاح فتاك لقوى الظلام التي تعمل بكل طاقاتها لتغييب العقول وتزييف الوعي والسيطرة على المجتمعات في غفلتها لإعادة تشكيل العالم بما يخدم مصالحها.

 فلك أن تتخيل قدرة هؤلاء من  "الهبِّيدة" على تجييش رواد مواقع التواصل ضد الحقيقة وضد الدولة إذا لزم الأمر مستغلين القطيع من المتابعين السذج وفقراء العلم والتعليم والثقافة لصناعة رأي عام موازٍ يقلب الحقائق ويصدر الأزمات ويحرض ويخرب فنحن أمام وحش نتركه يكبر باستكانة واستهانة بخطورته!

الحقيقة أن أجهزة الدولة يجب أن تستفيق لهذا الخطر الكامن المتمدد وتتخذ إجراءات سريعة بتخصيص "مرصد" خاص بمتابعة ما يتم بثه على مواقع التواصل في الأحداث المختلفة ورصد المخالفين والتعاون مع الجهات الأمنية للقبض عليهم ومعاقبتهم قانوناً على أفعالهم المضللة للمجتمع كما يتم مع من ينشرون فيديوهات خادشة للحياء فهؤلاء "الهبِّيدة" أخطر بكثير من أرباب الفسق والفجور الذين يٌرفضون من المجتمع ويواجهوا منه بالفطرة.

 أما "الهبِّيدة" فينزعون هذه الفطرة ويعبثون بالوعي ويزيفون الحقائق ويشوهون المجتمع ليصنعوا عالماً جديداً يمهد الأرض لما هو قادم ومخطط له .. عالم جديد يتهيأ باستخدام سلاح متطور للسيطرة على الوعي وتخدير العقول وإضعاف تأثير الإعلام الحقيقي .. سلاح فعال من قلب المعركة .. 

"إعلام الهبِّيدة"! 

search