السبت، 25 أبريل 2026

08:18 ص

ضريبة الجوار.. كيف أعادت التوترات الإقليمية الدولار فوق 52 جنيهًا في مصر؟

الدولار الأمريكي

الدولار الأمريكي

تشهد سوق الصرف في مصر موجة جديدة من التقلبات، مع عودة الدولار الأمريكي للارتفاع مجددًا ليتجاوز مستوى 52 جنيهًا في عدد من البنوك، مدفوعًا بتطورات إقليمية متسارعة أعادت رسم خريطة التدفقات المالية في الأسواق الناشئة، وعلى رأسها السوق المصرية.

هذا الارتفاع لا يأتي بمعزل عن المشهد العالمي، بل يعكس ما يمكن وصفه بـ"ضريبة الجوار"، حيث تدفع الاقتصادات القريبة من بؤر التوتر الجيوسياسي، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، تكلفة غير مباشرة نتيجة اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع المخاطر، وتغير شهية المستثمرين.

التوترات الإقليمية تشعل الأسواق

في قلب هذه التحركات، تقف أزمة مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث أدت القيود على حركة السفن وتعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى صعود أسعار النفط والغاز مجددًا فوق مستويات 100 دولار للبرميل، ما أعاد إشعال المخاوف التضخمية عالميًا، ودفع الدولار للصعود، باعتباره ملاذًا آمنًا.

وسجل مؤشر الدولار العالمي صعودًا ملحوظًا ليبلغ مستوى 100 نقطة، وهو أعلى مستوى يحققه منذ مايو 2020، قبل أن يتراجع قليلًا من هذا الصعود ليستقر في أحدث التداولات عند 99.876 نقطة.

وحقق المؤشر مكاسب أسبوعية بنحو 1.4%، مسجلًا أكبر ارتفاع له خلال شهر، مدعومًا بتصريحات تميل إلى تشديد السياسة النقدية من جانب عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذين دعوا إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة في محاولة للسيطرة على معدلات التضخم.

بالنسبة لمصر، التي تعتمد جزئيًا على استيراد الطاقة، فإن هذه التطورات تنعكس سريعًا على فاتورة الواردات، ومن ثم على سوق الصرف، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير مباشرة مثل تدفقات الاستثمار.

خروج الأموال الساخنة

شهدت الأيام الأخيرة خروجًا جزئيًا للاستثمارات الأجنبية، التي تعرف بـ"الأموال الساخنة"، من أدوات الدين المحلية، ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار، وهذه الأموال تتحرك بسرعة بين الأسواق بحثًا عن العائد والأمان، وغالبًا تكون أول من يغادر في أوقات عدم اليقين.

البيانات تشير إلى قفزة في تعاملات سوق الإنتربنك الدولاري داخل مصر بنسبة 26.3% خلال مارس 2026، لتصل إلى 9.35 مليار دولار مقارنة بـ7.4 مليار دولار في فبراير، وهو ما يعكس زيادة ملحوظة في الطلب على العملة الأمريكية داخل الجهاز المصرفي.

وفي الوقت ذاته، فقد الجنيه نحو 13.9% من قيمته خلال تلك الفترة، بما يعادل تراجعًا يقارب 6.67 جنيه، قبل أن يستعيد جزءًا من عافيته لاحقًا مع تحسن نسبي في التدفقات. وسجل سعر الدولار في البنك المركزي المصري مستوى 52.56 جنيه للشراء، و52.69 جنيه للبيع، وفق أخر التعاملات.

“تسعير عقابي” لإدارة السوق

يرى الخبير المصرفي عز الدين حسانين، أن ما يحدث في سوق الصرف المحلية لا يعكس أزمة حقيقية في توافر الدولار، بل هو جزء من آلية إدارة السوق، واصفًا التحركات الأخيرة بأنها “تسعير عقابي” من جانب البنك المركزي المصري.

وأوضح لـ"تليجراف مصر"، أن هذا المفهوم يعني ببساطة أن السماح بارتفاع سعر الصرف خلال خروج الاستثمارات قصيرة الأجل يقلل من أرباح المستثمرين عند تحويل أموالهم إلى الخارج، ما يحد من سرعة وتيرة الخروج، ويمنح السوق قدرًا من التوازن.

وأشار حسانين، إلى أن هذه السياسة لا تعني وجود سوق سوداء أو نقص في العملة، بل تستخدم كأداة مؤقتة لإدارة السيولة في أوقات التوتر.

رغم الضغوط، تشير المؤشرات الأساسية إلى أن الوضع النقدي في مصر لا يزال مستقرًا نسبيًا، فقد ارتفع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 52.831 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقارنة بـ52.746 مليار دولار في فبراير، ما يعكس استمرار تدفق الموارد الدولارية.

تحركات محلية لدعم الجنيه

في محاولة لاحتواء الضغوط، اتخذت البنوك الحكومية خطوات لتعزيز جاذبية الجنيه، حيث قرر كل من البنك الأهلي المصري وبنك مصر رفع أسعار الفائدة على شهادات الادخار لمدة ثلاث سنوات بقيمة 125 نقطة أساس، لتصل إلى 17.25%، لجذب السيولة المحلية، وتقليل الدولرة، وتعزيز استقرار العملة، خاصة مع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية.

في الوقت نفسه، فضل البنك المركزي المصري الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، في ظل عودة الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

هل يعود الاستقرار؟

قال حسانين، إنه رغم الارتفاع الأخير، لا يزال الدولار أقل من مستوياته القياسية التي اقتربت من 55 جنيهًا في وقت سابق من الشهر، ما يعكس أن السوق لم تفقد توازنها بالكامل.

وأضاف أن الاتجاه المستقبلي لسعر الصرف يظل مرهونًا بتطورات المشهد الجيوسياسي، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز، إلى جانب اتجاهات أسعار الطاقة العالمية، وسلوك المستثمرين الأجانب.

اقرأ أيضا:

تفاؤل دولي رغم الضغوط.. لماذا تختلف نظرة وكالات التصنيف عن واقع الجنيه المصري؟

search