الجمعة، 01 مايو 2026

03:25 ص

أموال بلا ولاء.. كيف يدير البنك المركزي 53.9 مليار دولار شديدة التقلب؟

عملات نقدية مصرية

عملات نقدية مصرية

لم يكن دوي المدافع في فبراير 2026 مجرد تطور عسكري عابر في صراع إقليمي محتدم، بل كان جرس إنذار لاقتصاديات ناشئة تقف على حافة التوازن، من بينها مصر، حيث أعاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران تسليط الضوء على واحدة من أكثر الظواهر تقلبًا وخطورة، ألا وهي "الأموال الساخنة". 

تذبذب سعر صرف الدولار مقابل الجنيه

فبمجرد تصاعد المخاطر، تتحرك هذه الاستثمارات بسرعة البرق، دخولًا وخروجًا، من السوق المصري مما أدى إلى تذبذب في درجة حرارة سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، ليبرز تحدٍ محوري أمام البنك المركزي المصري يتمثل في كيفية احتواء تداعيات هذه الموجة من التقلبات.

وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاعًا ملحوظًا في استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المحلية، المعروفة بـ"الأموال الساخنة"، خلال يناير 2026، مدفوعة بتحسن بيئة الاستثمار واستقرار السياسات النقدية.

وسجل إجمالي رصيد هذه الاستثمارات مستوى قياسيًا بلغ نحو 53.9 مليار دولار، بزيادة 4.8% على أساس شهري، مقارنة بنحو 51.42 مليار دولار في ديسمبر 2025، مدعومًا بتحرير سعر الصرف واستئناف برنامج التمويل مع صندوق النقد الدولي.

ملف الأموال الساخنة

في البداية، أكد الخبير المصرفي، عز الدين حسانين، أن البنك المركزي أثبت قدرة على إدارة ملف الأموال الساخنة طوال الفترة الماضية التي تخرج من الأسواق الناشئة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.

وجاء هذا الارتفاع قبل موجة تخارج جزئي شهدها السوق خلال مارس 2026، تزامنًا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة على خلفية النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، وبحسب تقديرات ستاندرد آند بورز، بلغت التدفقات الخارجة نحو 10 مليارات دولار خلال مارس، ما يعكس حساسية هذه الاستثمارات تجاه المخاطر العالمية.

171614959694532025102505020020
عملات نقدية أمريكية ومصرية

وخلال يومي الأحد والإثنين الماضيين سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع قدره 558 مليون دولار، بحسب بيانات البورصة المصرية، وأدى خروج الأجانب من أدوات الدين  إلى عودة الدولار الأمريكي للارتفاع مجددًا مقابل الجنيه، لتقترب العملة الأميركية من مستوى 54 جنيهًا اليوم.

هل هناك أزمة في توافر النقد الأجنبي؟

وأوضح حسانين، أن هذه الارتفاعات لا تعكس وجود أزمة حقيقية في توافر النقد الأجنبي داخل الدولة، وأن السوق المحلية ما زالت تتمتع بقدر كافٍ من الوفرة الدولارية داخل الجهاز المصرفي، لافتًا إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر يتجاوز 52 مليار دولار، إلى جانب امتلاك البنوك أصولًا أجنبية كافية، وهو ما يؤكد أن الإشكالية الحالية لا ترتبط بنقص الدولار، وإنما بتقلبات ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"

وارتفع صافي الاحتياطيات الدولية ليسجل 52.831 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقارنة بـ52.746 مليار دولار في فبراير 2026، بزيادة بلغت 85 مليون دولار، بحسب بيانات البنك المركزي.

تحريك سعر الصرف

وأشار إلى أن ما يحدث يُعرف اقتصاديًا بـ"التسعير العقابي"، وهو أسلوب يتبعه البنك المركزي في فترات خروج الاستثمارات قصيرة الأجل، عبر تحريك سعر الصرف، بما يقلل من العائد الفعلي للمستثمرين عند تحويل أموالهم إلى الخارج، مؤكدًا أن هذه الآلية لا تعني وجود سوق سوداء أو أزمة في توافر العملة الأجنبية، بل هي أداة مؤقتة لإدارة السيولة والتحكم في حركة رؤوس الأموال خلال فترات الاضطراب.

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

وشدد الخبير المصرفي على أن الأوضاع الحالية لا تزال مستقرة، لافتًا إلى أن مصر لم تعد تعتمد بالدرجة نفسها على الأموال الساخنة كما كان في السابق، حيث لم تعد هذه التدفقات تُضاف مباشرة إلى الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي، بل تُدار داخل القطاع المصرفي وفق ضوابط ومعايير دولية.

تعزيز الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل 

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في "الأهلي فاروس"، أن الاقتصاد يعكس بدرجة كبيرة حالة الثقة النفسية لدى المستثمرين، مؤكدًا أن البنك المركزي اكتسب خبرة تراكمية في إدارة الأزمات والتعامل مع تدفقات الأموال الساخنة.

وشدد “جنينة” على أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل بدلًا من الاعتماد على الاستثمارات قصيرة الأجل، محذرًا من أن الأموال الساخنة رغم دورها في توفير سيولة سريعة، إلا أنها تظل شديدة الحساسية تجاه أي تطورات سياسية أو اقتصادية مفاجئة.

وأوضح أن السيطرة على التضخم تبقى التحدي الأبرز حاليًا، متوقعًا تحسنًا تدريجيًا في المؤشرات الاقتصادية مع استقرار سعر الصرف وزيادة المعروض السلعي، معتبرًا أن الأسس الهيكلية للاقتصاد المصري "قادرة على امتصاص الصدمات".

حركة رؤوس الأموال عالميًا

من جانبه، أكد أستاذ اقتصاديات التمويل بكلية التجارة جامعة القاهرة، الدكتور حسن الصادي، أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة انعكست على حركة رؤوس الأموال عالميًا، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري أظهر خلال الفترة الماضية مؤشرات تعافٍ ونمو تجاوزت المستهدفات.

وأوضح أن البنك المركزي المصري تعامل باحترافية مع موجات خروج الأموال الساخنة، ونجح في الحد من آثارها على سوق الصرف، مؤكدًا أن السوق لم يفقد ثقته في قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي، رغم تحركات سعر الصرف.

وأضاف أن الاقتصاد المصري يمتلك مصادر متنوعة للعملة الصعبة، وعلى رأسها تحويلات العاملين بالخارج، خاصة من دول الخليج، والتي تشكل أحد أهم موارد النقد الأجنبي المستقرة.

اقرأ أيضًا:

بعد قرار "المركزي" الأخير.. هل تعمل البنوك غدًا الأحد؟

من المنزل.. أعلى شهادات ادخار في بنكي مصر والأهلي 2026

search