من التبييض إلى التسويد.. هل فشلت “الهاسبارا” الإسرائيلية؟
في الوقت الذي تضخ فيه إسرائيل واحدًا من أكبر إنفاقها الدعائي في تاريخها الحديث، تبدو النتيجة على الأرض أقرب إلى مفارقة صادمة: كلما زاد الإنفاق… تراجعت القدرة على الإقناع.
في ميزانية 2026، وافقت الحكومة الإسرائيلية على تخصيص نحو 2.35 مليار شيكل (قرابة 730 مليون دولار) للدبلوماسية العامة، في قفزة تتجاوز أربعة أضعاف ميزانية 2025، والتي كانت بدورها أعلى بعشرات المرات مقارنة بما قبل الحرب.
رهان واضح على فكرة واحدة:
شراء التأثير الإعلامي عالميًا.
لكن ما يحدث فعليًا يشير إلى اتجاه مختلف تمامًا:
أزمة ثقة لا تُشترى… ولا تُدار بالمال.
مليارات لصناعة الصورة
توزّع هذا الإنفاق على:
• حملات رقمية واسعة
• توظيف مؤثرين
• استضافة وفود إعلامية
• استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
• تنسيق مركزي بين الوزارات
ورغم ذلك، نقلت حتى وسائل إعلام إسرائيلية عن خبراء تقييمًا لافتًا:
“لا يمكن لأي مبلغ من العلاقات العامة أن يعكس الضرر الناتج عن السياسة والحرب نفسها.”
هنا يظهر التناقض الجوهري:
كلما توسعت أدوات التأثير… تراجعت فعاليتها.
الصدمة الرقمية
الحملات الموجهة لجيل الشباب على منصات مثل تيك توك وإنستجرام لم تحقق التأثير المتوقع، بل في كثير من الحالات جاءت بنتائج عكسية.
المحتوى الرسمي واجه تشككًا واسعًا،
بينما انتشر المحتوى القادم من الميدان بوتيرة أسرع وتأثير أعمق.
في هذا الفضاء الجديد، لم يعد هناك “احتكار للرواية”،
ولا أحد يملك زر الإقناع.
“الهاسبارا”… من مصطلح رسمي إلى سخرية رقمية
مصطلح “الهاسبارا”، الذي كان يشير إلى الدبلوماسية العامة الإسرائيلية،
تحول في كثير من الدوائر الرقمية إلى توصيف ساخر للدعاية الرسمية.
وهنا يبدأ الانكسار الحقيقي:
عندما تتحول اللغة نفسها… إلى دليل ضد صاحبها.
الإعلام الغربي… تصدعات لا انقلاب
خلال تغطية حرب غزة، ظهرت توترات داخل مؤسسات إعلامية كبرى مثل:
• شبكة سي إن إن
• هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)
• صحيفة نيويورك تايمز
حيث برزت:
• شكاوى داخلية من توجهات تحريرية منحازة في المراحل الأولى
• رسائل احتجاج من صحفيين على معايير التغطية
• جدل حول القيود اللغوية في توصيف الأحداث
هذه التطورات لا تعني انقلابًا كاملاً،
لكنها تشير بوضوح إلى تآكل الهيمنة التقليدية للسردية الواحدة،
وصعود مساحة أوسع للنقد والتعدد.
الأرقام لا تُجامل
وفق بيانات مركز بيو للأبحاث (أبريل 2026):
• نحو 60% من الأمريكيين لديهم نظرة غير مواتية تجاه إسرائيل
• ارتفاع ملحوظ من 53% في 2025، ومن نحو 40% فقط قبل سنوات قليلة
• نسبة “غير مواتية جدًا” تضاعفت ثلاث مرات منذ 2022
التفصيل الأهم:
• بين الديمقراطيين: تصل النسبة إلى 80%
• بين الشباب (18–29): تصل إلى نحو 75% في بعض المؤشرات
وفي استطلاع مؤسسة غالوب (فبراير 2026):
• لأول مرة منذ أكثر من 25 عامًا، يتقارب التعاطف:
41% للفلسطينيين مقابل 36% للإسرائيليين
تحول يعكس:
• تآكل الإجماع الحزبي
• فجوة جيلية متسعة
• إعادة تشكيل تدريجية في الرأي العام داخل أهم حليف استراتيجي لإسرائيل
تراجع الصورة… لكن دون انهيار كامل
رغم التراجع الواضح في الصورة الدولية، خاصة في الغرب والجنوب العالمي،
لا يمكن الحديث عن “انهيار شامل”.
إسرائيل لا تزال تحتفظ بـ:
• دعم قوي داخل الأوساط الجمهورية في الولايات المتحدة
• دعم سياسي وعسكري رسمي مستمر
• حضور مؤثر داخل مؤسسات القرار التقليدية
لكن الاتجاه العام يشير إلى تآكل تدريجي لا يمكن تجاهله.
الرواية المستحيلة
المشكلة لم تعد في ضعف الأدوات… بل في طبيعة الرواية نفسها.
في عالم يمكن فيه الوصول إلى:
• صور حية
• بث مباشر
• بيانات مفتوحة
• تقارير لحظية من الأرض
لم يعد الخطاب الأحادي قابلًا للصمود.
وعندما تتصادم الرسائل الرسمية مع صور الدمار والخسائر المدنية،
لا تتراجع الرواية فقط… بل تتآكل الثقة في مصدرها.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية:
لم تعد المشكلة أن الرواية غير مسموعة…
بل إنها لم تعد قابلة للتصديق أصلًا.
السياسة تسبق الصورة
الأزمة أعمق من الإعلام نفسه:
لا يمكن إصلاح صورة
إذا كانت الوقائع اليومية تنتج نقيضها.
الرسالة تحاول التبرير،
بينما الواقع يفرض رواية مختلفة تمامًا.
وهنا تصبح أي حملة إعلامية… في موقع الدفاع الدائم.
حرب المصداقية
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد صراع روايات،
بل تحول إلى صراع على المصداقية نفسها:
• تراجع في الثقة
• تشكك في المصادر
• إعادة تقييم للسرديات
الانتقال الأخطر:
من خلاف على التفسير… إلى خلاف على الحقيقة.
رغم الإنفاق غير المسبوق،
والأدوات المتقدمة،
والحضور الإعلامي الواسع…
تبدو النتيجة عكسية.
سياسة “تبييض الصورة” لا تفشل بسبب ضعف تقني،
بل لأنها تصطدم بواقع يُبث مباشرة… ولا يمكن إعادة صياغته.
لم تعد المعركة معركة صورة…
بل معركة واقع.
وفي عالم تُنقل فيه الأحداث لحظة بلحظة، يبقى السؤال:
كيف تُجمّل الصورة إذا كان الواقع نفسه دليلاً ضدك؟
الأكثر قراءة
-
جريمة هزت أركان الصف.. دفاع الصغيرين ضحيتا حقن الكلور من جدتهما يكشف تفاصيل الواقعة
-
من يتوج بالدوري المصري حال تساوى بيراميدز والأهلي والزمالك في النقاط؟
-
تشريحه على المقابر.. تفاصيل استخراج جثمان الدكتور ضياء العوضي
-
شاب يطعن خطيبته وسط الشارع بالمعصرة بعد رغبتها في فسخ الخطوبة
-
أسعار الجنيه الذهب اليوم في مصر.. هل يُعد الخيار الأفضل للاستثمار؟
-
رغم حصار "هرمز".. صادرات النفط السعودية تقترب من مستويات ما قبل الحرب
-
أزمة تحكيمية جديدة: هل حرم الأهلي من العدالة أمام الزمالك؟
-
تحذيرات من وصول النفط لـ300 دولار.. فجوة الأسعار تخدع الأسواق
مقالات ذات صلة
تحرير سيناء.. العيد عيدين
25 أبريل 2026 09:21 ص
"جوج وماجوج”… كيف تُعرقل إسرائيل مفاوضات أمريكا وإيران؟
19 أبريل 2026 10:38 ص
بين التصعيد والتهدئة.. ما بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد؟
12 أبريل 2026 02:00 م
“المسيح المخلّص”.. كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترامب؟
06 أبريل 2026 01:07 م
أكثر الكلمات انتشاراً