الإثنين، 13 أبريل 2026

12:29 م

وائل الغول

بين التصعيد والتهدئة.. ما بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد؟

لم يكن تعثر مفاوضات إسلام آباد مجرد إخفاق دبلوماسي عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع بين واشنطن وطهران، وحدود القدرة على احتوائه سياسياً.

بعد 21 ساعة ماراثونية يومي 11 و12 أبريل 2026، غادر الوفدان الأمريكي والإيراني العاصمة الباكستانية دون اتفاق، تاركين هدنة هشة ومنطقة على حافة تصعيد جديد.

جرت المفاوضات برعاية باكستانية، في محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار المؤقت (الذي بدأ 8 أبريل لمدة أسبوعين)، ومعالجة ثلاثة ملفات رئيسية: البرنامج النووي، إعادة فتح مضيق هرمز، وملف العقوبات. لكن هذه الملفات نفسها تحولت إلى نقاط اشتباك حادة.

عقدة النووي.. صدام الإرادات

برز الملف النووي كعقدة مستعصية.

طالبت الولايات المتحدة بتعهد صريح ودائم من إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مع تقييد كبير لبرنامج التخصيب وتحديد مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب (نحو 900 رطل).

رفضت طهران هذه الشروط، معتبرة إياها «مطالب مستحيلة» تمس سيادتها، ومؤكدة تمسكها بحقها في التخصيب السلمي.

لم يكن الخلاف تقنياً فقط، بل صراعاً على «حق القوة».

هرمز.. الاقتصاد كسلاح

دار الخلاف الثاني حول مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي.

أصرت واشنطن على إعادة فتحه فوراً أمام الملاحة الدولية، بينما تمسكت إيران به كورقة ضغط حتى اتفاق نهائي.

أي تصعيد هنا لا يبقى محلياً، بل ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والنقل والغذاء عالمياً.

الأموال والعقوبات.. ثمن الحرب

طالبت إيران بالإفراج عن نحو 27 مليار دولار من عائدات النفط المجمدة، بالإضافة إلى تعويضات عن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية.

رأت واشنطن أن هذه المطالب مبالغ فيها، ووصفت عرضها بأنه «مرن ونهائي».

تبادل الطرفان الاتهامات: أمريكا قالت إن إيران رفضت «أفضل عرض ممكن»، وطهران اتهمت واشنطن بالبحث عن ذريعة للانسحاب.

دبلوماسية الخط الأحمر

قاد نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، وفد بلاده في تحول لافت من التحفظ النسبي إلى نهج صارم.

أجرى اتصالات مكثفة مع ترامب، وقدم «الورقة النهائية والأفضل».

بعد الفشل، أعلن في مؤتمر مقتضب: «الخبر السيئ أننا لم نتوصل إلى اتفاق.. وهذا خبر سيئ لإيران أكثر بكثير من أمريكا».

غادر فوراً، تاركاً الباب مفتوحاً أمام رد إيراني.

إسرائيل في الخلفية.. ضغط بلا حضور

رغم غيابها الرسمي، ساهم التصعيد الإسرائيلي المستمر ضد حزب الله في لبنان خلال المفاوضات في تقويض فرص بناء الثقة.

نتنياهو يرى أي اتفاق دون تنسيق كامل «خيانة» لأهداف الحرب.

في المقابل، اتهمت المعارضة الإسرائيلية (يائير لابيد وآخرون) نتنياهو بالفشل الاستراتيجي.

هدنة على حافة الانهيار

رغم الفشل، لا تزال الهدنة قائمة.

دعت باكستان اليوم (12 أبريل) الطرفين إلى «التمسك بها» وأكدت استمرار وساطتها.

تركت أمريكا «الورقة النهائية» مفتوحة، بينما أكدت إيران أن «الدبلوماسية لم تُغلق»، لكنها ربطت أي جولة جديدة بوقف الهجمات في لبنان.

الاستعداد للحرب.. تفاوض بيد وسلاح بالأخرى

تعكس التحركات على الأرض واقعاً مختلفاً:

• الولايات المتحدة في حالة تأهب عالية مع انتشار بحري متقدم.
• إيران أعلنت جاهزيتها لحرب طويلة الأمد.
• إسرائيل تواصل الضغط العسكري.

سيناريوهات ما بعد التعثر

التوازن الحالي يميل إلى تهدئة مؤقتة مشوبة بتصعيد تكتيكي:
    1.    التفاوض تحت الضغط (الأقرب): جولات جديدة برعاية باكستانية مع ضغط أمريكي-إسرائيلي لدفع تنازلات إيرانية.
    2.    عودة التصعيد العسكري: مرتبط برفض إيراني أو تصعيد في هرمز أو لبنان.
    3.    هدنة طويلة بلا اتفاق: «لا حرب ولا سلام» مع انتقال الصراع إلى ساحات الوكلاء.

المعضلة

لم يُنهِ فشل مفاوضات إسلام آباد المسار الدبلوماسي، بل أعاده إلى نقطة أكثر توتراً، حيث يتقاطع التفاوض مع الضغط العسكري.

الهدنة الحالية ليست نهاية الحرب، بل إعادة تموضع قبل جولتها التالية.

الدبلوماسية لا تزال حاضرة، لكنها تُدار تحت ضغط السلاح أكثر مما تُدار تحت منطق السياسة.

والأيام القليلة المقبلة حاسمة: فهل تقدم طهران ردّاً إيجابياً جزئياً على «الورقة النهائية»؟ وهل تكبح إسرائيل تصعيدها في لبنان؟ أم أن الأمور تتجه نحو “التصعيد الشامل”؟

search