السبت، 16 مايو 2026

04:58 ص

أزمة هوية.. هل يتآكل الجيش الإسرائيلي من الداخل؟

واقعة جديدة فجّرت جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، بالحكم على جندي في لواء ناحال بالسجن العسكري 30 يوماً، بعدما رصده رئيس الأركان إيال زامير خلال زيارة ميدانية في الضفة الغربية وهو يرتدي رقعة غير رسمية تحمل كلمة “المسيح” (ماشياح – Moshiach).

العقوبة لم تتوقف عند الجندي فقط؛ بل امتدت إلى سلسلة القيادة:

قائد الفصيلة (14 يوماً معلقة)، قائد السرية (توبيخ رسمي)، وقائد الكتيبة (تنبيه في السجل).

لكن ما بدا في ظاهره “مخالفة زي عسكري” تحوّل سريعاً إلى سؤال أكبر بكثير:

هل نحن أمام تجاوز فردي… أم أمام تشكّل تدريجي لهويات أيديولوجية داخل الجيش نفسه؟

سلسلة لا تنتهي

حادثة “شارة المسيح” ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في مسار بدأ يتسارع منذ 7 أكتوبر 2023.

داخل وحدات الجيش، برزت مجموعة من الرموز التي لم تعد هامشية:

    •    رقعة “الماشياح” المرتبطة بحركة حاباد لوبافيتش

    •    رموز “الهيكل الثالث”

    •    شعارات “شباب التلال” الاستيطانية

    •    إشارات توراتية مثل “عماليق” و”تطهير الأرض”

    •    وتفسيرات دينية مباشرة لساحات الحرب

إلى جانب ذلك، سُجلت حوادث ميدانية مثيرة للجدل:

    •    حادثة تمثال السيدة العذراء في جنوب لبنان (2026) حيث وضع جندي سيجارة في فمه، وعوقب بـ21 يوماً.

    •    تقارير متكررة عن نهب وسلوكيات فردية في غزة ولبنان.

    •    ومقاطع مصورة تتضمن إهانات أو رموزاً دينية/سياسية في ساحات القتال

هذه ليست أحداثاً منفصلة، بل نمطاً يتكرر في بيئة حرب طويلة وضاغطة.

التحول الحقيقي

ما يجعل القلق داخل المؤسسة العسكرية أكبر هو أن هذا التحول لم يعد هامشياً اجتماعياً:

    •    التيار الديني القومي يشكل 14.7% من السكان اليهود

    •    لكنه يمثل 27.4% من جنود الاحتياط القتاليين

أي أنه حاضر في الجيش بنسبة تقارب الضعف مقارنة بحجمه في المجتمع.

الأمر لا يتوقف هنا:

    •    حوالي 40% من خريجي مدارس ضباط المشاة يأتون من هذا التيار

    •    رغم أنه لا يتجاوز 12–14% من المجتمع اليهودي

وفي الخلفية الدينية:

    •    يخدم في الجيش نحو 90 حاخاماً من حركة حاباد

    •    بينهم أكثر من 20 برتبة نقيب فأعلى

هذه الأرقام لا تعكس مجرد تنوع اجتماعي، بل تشير إلى تغلغل أيديولوجي داخل البنية القتالية نفسها.

من “الزي العسكري” إلى “الهوية القتالية”

في جوهر الأزمة، لا تدور المعركة حول رقعة قماش، بل حول سؤال أعمق:

من يحدد معنى القتال داخل الجيش؟

هناك تحول واضح من هوية موحدة تحت العلم الإسرائيلي إلى تعدد في الرموز والمعاني:
    •    بعض الجنود يقاتلون تحت مفهوم “الواجب العسكري”
    •    آخرون تحت مفهوم “الرسالة الدينية”
    •    وآخرون تحت سرديات توراتية عن “الفداء والحسم”

هذا التداخل بين العسكري والديني والأيديولوجي يخلق مساحة رمادية خطيرة داخل مؤسسة يفترض أنها قائمة على الانضباط المركزي فقط.

استدعاء التوراة في قلب الحرب

التوتر يتغذى أيضاً من تصاعد التفسيرات الدينية للنصوص:

    •    “عماليق”: استُخدم خطابياً بعد 7 أكتوبر لتوصيف الخصم، وتحول في بعض الخطابات الدينية إلى نموذج لـ”الحسم الكامل”

    •    “سفر يشوع”: يُستدعى لتبرير فكرة السيطرة والتطهير الكامل للأرض

    •    “الميسيانية Hardal”: تدمج القومية الدينية بفكرة أن الحرب جزء من مسار “الفداء” وبناء الهيكل

بهذا المعنى، تصبح الحرب عند بعض التيارات ليست صراعاً عسكرياً فقط، بل مشروعاً عقائدياً مفتوحاً.

صدام داخل المؤسسة العسكرية

القيادة العسكرية، وعلى رأسها إيال زامير، ترى الصورة بشكل مختلف تماماً.

من وجهة نظره، المشكلة ليست في الرموز بحد ذاتها، بل في ما تمثله:
    •    تآكل الانضباط
    •    تراجع وحدة الزي والهوية
    •    تشكل ثقافات فرعية داخل الوحدات القتالية
    •    وتحول الجيش إلى مساحات تعبير أيديولوجي متنافس

في حرب طويلة تتجاوز عامين ونصف، تصبح هذه التفاصيل مؤشراً على خطر أعمق:

تفكك المؤسسة من الداخل قبل أي تهديد خارجي.

جيش واحد أم جيوش متعددة؟

ما تكشفه واقعة “شارة المسيح” يتجاوز العقوبة أو الجدل الإعلامي.

يبدو أن الخط الفاصل بين “جيش نظامي” و”تعدد هويات مسلحة داخل جيش واحد” أصبح أقل وضوحاً مما كان عليه من قبل.

السؤال الحقيقي
اليوم داخل إسرائيل هو:

هل ما زال الجيش الإسرائيلي مؤسسة عسكرية موحدة، أم أنه يتحول تدريجياً إلى عدة جيوش بانتماءات مختلفة؟

search