من الحسم إلى الاستنزاف.. هل فشلت إسرائيل استراتيجيًا؟
منذ 7 أكتوبر 2023، تخوض إسرائيل أطول وأعقد حرب في تاريخها الحديث.
حرب بدأت تحت شعار “القضاء على حماس”، ثم تمددت إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى صراع مفتوح على شكل الشرق الأوسط نفسه.
إسرائيل نجحت في تدمير مدن كاملة، واغتيال قادة، وفرض واقع أمني جديد في عدة جبهات، لكنها لم تنجح حتى الآن في حسم الحرب سياسيًا.
حماس ما زالت موجودة.
حزب الله لم ينكسر .
إيران لا تزال لاعبًا رئيسيًا.
والاقتصاد الإسرائيلي يدخل واحدة من أكثر مراحل الاستنزاف تكلفة منذ عقود.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
هل تحقق إسرائيل نصرًا استراتيجيًا فعلًا… أم أنها تدير حربًا طويلة بلا نهاية واضحة؟
حرب بلا حسم
بدأت الحرب في 7 أكتوبر 2023، واستمرت بشكل رئيسي حتى وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، أي ما يقارب عامين كاملين من القتال متعدد الجبهات.
وخلال الحرب، سيطرت إسرائيل في مراحل مختلفة على نحو 53% من قطاع غزة، مع إنشاء مناطق عازلة واسعة تحولت إلى مساحات مدمرة أكثر من كونها خطوط دفاع مستدامة.
وعلى المستوى الإنساني، تشير التقديرات إلى:
• أكثر من 72 ألف إلى 75 ألف قتيل فلسطيني مباشر
• أكثر من 170 ألف جريح
• دمار واسع طال أكثر من 90% من البنية الصحية
ورغم العمليات العسكرية الواسعة واغتيال قيادات بارزة في حماس، فإن الحركة لم تُهزم سياسيًا، ولا تزال موجودة وتسيطر على أجزاء من غزة.
إسرائيل نجحت في:
• توجيه ضربات عسكرية واسعة
• تدمير بنى تحتية
• فرض واقع أمني جديد في بعض المناطق
لكنها فشلت في الإجابة عن السؤال الأهم: من يحكم غزة بعد الحرب؟
معضلة حماس
رغم حرب امتدت قرابة عامين، وعمليات برية وجوية واسعة النطاق، فإن الهدف المعلن بتفكيك حماس لم يتحقق.
الحركة تعرضت لضربات قاسية على مستوى القيادة والبنية العسكرية، لكنها لم تُستأصل من المشهد السياسي أو العسكري داخل غزة.
بل على العكس، بقيت فاعلة داخل القطاع، وتستمر في إدارة جزء من الواقع الميداني حتى بعد وقف إطلاق النار.
المفارقة هنا أن الحرب أنتجت تدميرًا واسعًا للبنية التحتية في غزة، لكنها لم تنتج “فراغًا سياسيًا” دائمًا.
تم إضعاف حماس عسكريًا، لكن لم يتم استبدالها كسلطة أمر واقع، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الهدف العسكري والنتيجة السياسية.
هذا الفشل لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية، بل بغياب تصور واضح لما بعد الحرب:
من يحكم غزة؟ وكيف يُعاد تشكيل السلطة فيها؟
وهنا تظهر أزمة العقيدة العسكرية الإسرائيلية نفسها.
فعلى مدى عقود، قامت الاستراتيجية الإسرائيلية على فكرة “الحسم السريع”:
ضربة قاسية، حرب قصيرة، ثم فرض واقع سياسي جديد.
لكن ما بعد 7 أكتوبر كشف تحوّلًا مختلفًا:
إسرائيل قادرة على التدمير… لكنها لم تعد قادرة بالضرورة على فرض واقع جديد.
النموذج اللبناني
في الجبهة اللبنانية، ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها حزب الله، ورغم التدمير الواسع داخل لبنان نفسه، فإن الحزب لا يزال فاعلًا رئيسيًا في المشهد السياسي والعسكري.
وتشير التقديرات إلى أكثر من 2600 قتيل في لبنان، إلى جانب نزوح واسع وأضرار اقتصادية جسيمة، دون تفكيك البنية العسكرية للحزب.
مرة أخرى، النتيجة ليست حسمًا بل إعادة تموضع للصراع.
فعلى الرغم من الضربات العسكرية المكثفة، لم يفقد حزب الله دوره المركزي داخل المعادلة اللبنانية، ولا يزال يحتفظ بقدرة عسكرية وتنظيمية مؤثرة.
وحتى مع وقف إطلاق النار والتصعيدات المتكررة، لم تنجح إسرائيل في تحويل القوة العسكرية إلى تفكيك سياسي أو نزع سلاح كامل، وهو ما يعكس استمرار حالة “الردع المتبادل” بدل الحسم.
وبذلك، يتحول المشهد إلى نموذج مشابه لغزة:
إضعاف الخصم دون إنهائه، وإدارة تهديد مستمر بدل إزالته.
مكسب استراتيجي غير مكتمل
سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 مثّل التحول الاستراتيجي الأكبر في الإقليم، حيث استغلت إسرائيل الفراغ لتدمير جزء كبير من القدرات العسكرية السورية السابقة، والسيطرة على مناطق إضافية.
لكن حتى هذا التحول لم يتحول إلى مكسب سياسي مستدام، في ظل توتر مع الحكومة الجديدة، وعدم بناء ترتيبات إقليمية مستقرة.
إيران… حرب بلا هدف
على الجبهة الإيرانية، تكشف المفاوضات الأمريكية-الإيرانية خلال 2025 و2026 عن إشكالية أعمق: غياب تعريف واضح للهدف النهائي.
هل المطلوب وقف البرنامج النووي فقط؟
أم تقليص النفوذ الإقليمي؟
أم تغيير النظام نفسه؟
هذا الغموض يجعل الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، دون نقطة نهاية واضحة.
أزمة بالداخل الإسرائيلي
الحرب لم تترك آثارها على الجبهات الخارجية فقط، بل امتدت إلى الداخل الإسرائيلي نفسه.
فمع طول أمد القتال، بدأت تتصاعد أزمة الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي، سواء تجاه المؤسسة السياسية أو العسكرية.
صورة الجيش تعرضت لاهتزاز غير مسبوق منذ 7 أكتوبر، بينما يعيش المجتمع حالة إنهاك نفسي واقتصادي متراكمة.
الاحتجاجات السياسية عادت بقوة، والانقسامات الداخلية اتسعت، بينما يزداد الجدل حول جدوى حرب طويلة بلا حسم واضح أو أفق سياسي نهائي.
ومع كل شهر إضافي من الحرب، يبدو أن تكلفة “اليوم التالي” تصبح أكثر تعقيدًا من المعركة نفسها.
استنزاف اقتصادي متصاعد
بعيدًا عن الميدان، تظهر الحرب كواحدة من أكثر الحروب تكلفة في تاريخ إسرائيل الحديث:
• 57 مليار دولار خسائر اقتصادية تراكمية بين 2023 و2025
• إجمالي تكاليف مباشرة وغير مباشرة بين 55 و76 مليار دولار
• ارتفاع الدين من 60% إلى 69% من الناتج المحلي
• عجز يقترب من 5% في 2026
• تباطؤ واضح في النمو الاقتصادي
كما تشير تقديرات بعيدة المدى إلى خسائر قد تصل إلى 400 مليار دولار خلال عقد، نتيجة تباطؤ الاقتصاد وتأثر قطاعات التكنولوجيا والسياحة والاستثمار.
هذه الأرقام تعكس تحول الحرب من عملية عسكرية إلى استنزاف طويل الأمد.
انتصار تكتيكي وفشل استراتيجي
المشكلة الأعمق أن إسرائيل لا تبدو عاجزة عن خوض الحرب… بل عاجزة عن تحويل القوة العسكرية إلى نهاية سياسية مستقرة.
فبينما حققت تفوقًا تكتيكيًا واسعًا في عدة جبهات، فإن:
• حماس لم تختفِ
• حزب الله لم يُكسر
• إيران لم تتراجع إقليميًا بشكل حاسم
• والاقتصاد الإسرائيلي دخل في مسار استنزاف طويل
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
فالانتصارات العسكرية لا تُقاس بحجم الدمار الذي تخلّفه… بل بالنظام السياسي الذي تفرضه بعد انتهاء الحرب.
وفي هذه النقطة تحديدًا، تبدو إسرائيل عاجزة.
هذا التحول من “الحسم” إلى “الاستنزاف” قد يكون أخطر تحول استراتيجي تواجهه إسرائيل منذ عقود.
لذلك، فالسؤال الحقيقي اليوم:
هل تستطيع إسرائيل الخروج من صراعات تحولت إلى حالة استنزاف دائمة؟ أم أنها تحارب من أجل الحرب؟!
الأكثر قراءة
-
دخل شهري يتخطى 14 ألف جنيه.. فرصة ذهبية للاستثمار في البنك الأهلي
-
بعد قرار البنك الدولي.. سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم السبت 9 مايو 2026
-
احصل على 2600 جنيه يوميًا.. تفاصيل شهادات بنك قناة السويس الجديدة 2026
-
موعد نزال حمزة شيماييف 2026 في 12 دولة
-
"لو عدموني فأنا راجل".. جبروت امرأة يضع قاضي محكمة في قفص الاتهام: "اتجوزت وهي على ذمتي"
-
فيروس هانتا VS كورونا.. من الأكثر فتكًا بالبشرية؟
-
الاقتصاد الأمريكي يضيف 115 ألف وظيفة في أبريل.. والبطالة تستقر عند 4.3%
-
احذر "فخ" الأرباح الوهمية.. فيديو توعوي يكشف ألاعيب المنصات غير المرخصة
مقالات ذات صلة
من التبييض إلى التسويد.. هل فشلت “الهاسبارا” الإسرائيلية؟
02 مايو 2026 10:15 ص
تحرير سيناء.. العيد عيدين
25 أبريل 2026 09:21 ص
"جوج وماجوج”… كيف تُعرقل إسرائيل مفاوضات أمريكا وإيران؟
19 أبريل 2026 10:38 ص
بين التصعيد والتهدئة.. ما بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد؟
12 أبريل 2026 02:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً